ترامب وتصويت الكونغريس ضد الحرب

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الأساطير القديمة، كان الملوك يخشون الجيوش القادمة من وراء الجبال. أما في جمهوريات العصر الحديث، فإن الخطر الأكبر قد يأتي من القاعة المجاورة. ليس من طهران. ولا من بكين. ولا من موسكو. بل من مقاعد البرلمان نفسها. هناك، حيث تتحول الأوراق أحيانًا إلى سهام، والتصويت إلى زلزال، والرمزية إلى حقيقة سياسية تتسلل ببطء داخل جدران السلطة. هكذا بدا المشهد في واشنطن عندما صوّت مجلس النواب الأمريكي على قرار يدعو إلى سحب القوات الأمريكية المنخرطة في الحرب ضد إيران. قد يكون القرار رمزيا من الناحية الدستورية، لكن الرموز في السياسة تشبه الشقوق الصغيرة في السدود العملاقة؛ لا يخاف الحكماء من حجمها، بل من المياه التي تختبئ خلفها.

دونالد ترامب، الذي بنى صورته على فكرة الرجل القادر على فرض إرادته على العالم، يجد نفسه أمام مفارقة تشبه حبكة من التراجيديات اليونانية. البطل الذي أراد أن يكون سيد الحدث أصبح أسير الحدث نفسه. كل حرب تبدأ بوعد بالنصر السريع. لكن الحروب كالكائنات الأسطورية؛ لا أحد يعرف متى تتوقف عن طاعة من أطلقها. منذ هوميروس وحتى كارل فون كلاوزفيتز، ظل السؤال ذاته يطارد السياسة: هل تقود الدول الحروب؟ أم أن الحروب هي التي تبدأ بقيادة الدول؟

في البداية تبدو الحرب أداة. ثم تتحول إلى بيئة. ثم تصبح قدرا. ثم يكتشف الجميع أنهم يعيشون داخل منطقها دون أن يشعروا. الفرق أن الولايات المتحدة، التي طالما قدمت نفسها بوصفها حارسة النظام الدولي، تجد نفسها اليوم أمام أزمة داخلية تتعلق بالسؤال الأقدم في الفلسفة السياسية: من يملك حق الحرب؟ الرئيس؟ أم الشعب؟ أم المؤسسات التي تمثل الشعب؟ إنه سؤال يكاد يكون أقدم من الجمهورية نفسها. سؤال يربط واشنطن بأثينا القديمة أكثر مما يربطها بمراكز القيادة العسكرية الحديثة.

في “الجمهورية”، كان أفلاطون يخشى من الحاكم الذي يعتقد أن إرادته مساوية للحقيقة. وفي تراثنا العربي كان الحكماء يقولون: “الرأي قبل شجاعة الشجعان.” فما قيمة القوة إذا فقدت قدرتها على الإصغاء؟ وما معنى الانتصار الخارجي إذا بدأ الإجماع الداخلي بالتآكل؟ اللافت في هذا التصويت ليس فقط انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين. بل انكسار وهم التماسك. فالسّياسة الأمريكية الحديثة قامت لعقود على صورة الحزبين المتواجهين. أما اليوم فإن الانقسامات تتسلل إلى داخل الأحزاب نفسها.

وكأن الخريطة السياسية لم تعد تنقسم بين يمين ويسار، بل بين رؤيتين للولايات المتحدة ذاتها. أميركا القوة. وأميركا الإرهاق. أميركا التدخل. وأميركا الانكفاء. أميركا الإمبراطورية. وأميركا التي بدأت تتساءل عن كلفة الإمبراطورية. هنا يصبح الملف الإيراني أكثر من مجرد حرب. إنه مرآة. مرآة تعكس أزمة أعمق بكثير. أزمة تعريف الدور الأمريكي في القرن الحادي والعشرين. فهل تستطيع القوة العظمى أن تبقى في كل مكان؟ وهل يمكن لدولة أن تكون شرطي العالم دون أن تدفع ثمنا داخليا متصاعدا؟ وهل الإمبراطوريات تسقط بسبب خصومها أم بسبب فاتورة تمددها؟

يقول المثل العربي: “الريح لا تكسر الشجرة وحدها، بل ما فيها من تصدّع.” والتصويت في الكونغرس ليس الريح. إنه كشف للتصدعات. فحين يبدأ حلفاء الرئيس بالتردد، لا يكون السؤال عن نتيجة معركة واحدة، بل عن مستقبل الرواية السياسية كلها. في الفلسفة الرواقية كان الحكماء يميزون بين السيطرة والوهم. يمكن للإنسان أن يسيطر على قراراته. لكنه لا يسيطر دائما على نتائجها. وربما هذه هي المعضلة الكبرى للحروب الحديثة. القادة يملكون قرار البدء. أما النهاية فتكتبها قوى أكثر تعقيدا: الاقتصاد، والرأي العام، والتعب الجماعي، والتاريخ نفسه.

لذلك فإن ما حدث في مجلس النواب يتجاوز حدود إجراء تشريعي أو مناورة حزبية. إنه لحظة رمزية تكشف هشاشة القوة حين تنفصل عن الإجماع. وتكشف أن الديمقراطيات، مهما بلغت قوتها العسكرية، تظل رهينة سؤال بسيط وعنيف في آن واحد: إلى أي مدى يمكن للحاكم أن يذهب حين يبدأ الصدى بالتمرد على صوته؟ وربما سيكون السؤال الأهم في الأشهر المقبلة ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنتصر في إيران. بل ما إذا كانت ستتمكن من الحفاظ على انسجامها الداخلي بينما تخوض حربا خارجية. فالتاريخ يعلمنا شيئا قاسيا: أحيانا لا تبدأ الأزمات الكبرى عندما تتقدم الجيوش. بل عندما يبدأ الشك بالتقدم داخل العقول.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *