ألمانيا: مجلس الأمن ومقعد في مهبّ الريح

بقلم زكية لعروسي, باريس

في السياسة الدولية، قد تتحرّك على خرائط أكثر غموضا؛ خرائط مرسومة بالحبر الذي تتركه الحروب على ذاكرة الأمم، وبالظّلال التي تلقيها القوة على فكرة العدالة. وحين تقترب ألمانيا من مقعد في مجلس الأمن، لا يبدو الأمر مجرد تناوب إداري داخل مؤسسة أمميّة، بل أشبه بمشهد سريالي يجلس فيه التاريخ إلى طاولة المفاوضات ليحاكم المستقبل. كأن العالم قرية قديمة تتنازعها الرياح. في ساحة هذه القرية يقف مجلس الأمن كساعة ضخمة تحاول ضبط وقت الكوكب فيما تتسابق العقارب في اتجاهات متناقضة. والسؤال الذي يطل من نافذة هذا المشهد ليس: ماذا تريد ألمانيا من المجلس؟ بل: ماذا يريد المجلس من ألمانيا؟ وهل ما زالت القوة بقدرة الدول على إقناع الآخرين بأن مصالحهم جزء من روايتها؟

الألمان يعرفون جيدا أن التاريخ ليس متحفا مغلقا. إنّه كائن حيّ يرافق الأمم كظلّها. فالدولة التي خرجت من رماد الحرب العالمية الثانية لم تعد تقدّم نفسها بوصفها قوة عسكرية، بل بوصفها قوة معيارية؛ دولة تسعى إلى تحويل الاقتصاد إلى لغة دبلوماسية، وإلى تحويل القواعد إلى أدوات نفوذ. لكن هنا يكمن اللّغز الأكبر. إذا كان مجلس الأمن هو القلب السياسي للنظام الدولي، فإن نبضه لا يزال محكوما بمعادلات عام 1945 أكثر مما هو محكوم بوقائع القرن الحادي والعشرين. ولذلك يبدو طلب الإصلاح أشبه بمحاولة إدخال نهر جديد إلى خريطة رسمها جغرافيون رحلوا منذ عقود. يقول المثل الشعبي العربي: “اليد الواحدة لا تصفق”. غير أن مجلس الأمن يضيف إليه هامشا ساخرا: أحيانا تصفق خمس أياد فقط، بينما يطلب من بقية العالم أن يصفق معها. هنا يبرز السؤال الفلسفي الذي يخشاه الجميع: هل الشرعية تولد من القوة أم أن القوة تستمد شرعيتها من الاعتراف الجماعي؟

منذ أفلاطون وحتى هابرماس، ظل الجدل قائما بين من يرى السياسة فنّ الغلبة ومن يراها فنّ التوافق. وألمانيا، ربما أكثر من غيرها، تجد نفسها عالقة بين الفلسفتين؛ فهي تملك ثقلا اقتصاديا هائلا، لكنها تسعى إلى نفوذ لا يبدو كأنه نفوذ. إنها معادلة تشبه محاولة الإمساك بالماء دون أن ينساب من بين الأصابع. في الظاهر، تبدو معركة المقاعد غير الدائمة تفصيلا بروتوكوليا. لكن في العمق، هي تعكس الصّراع حول شكل العالم القادم. فحين تتنافس دول على مقعد مؤقت، فإنّها في الحقيقة تتنافس على حق رواية القصة الكبرى: من يحدّد معنى الأمن؟ ومن يقرّر أين تبدأ الأزمة وأين تنتهي؟ ومن يملك سلطة تسمية الأشياء بأسمائها؟ في الأساطير القديمة كانت الآلهة تتشاجر حول النار. أما اليوم فتتشاجر الدول حول تعريف الدخان. وألمانيا تعرف أن التحدي لم يعد في احتلال موقعٍ داخل المجلس، بل في إعادة تعريف وظيفة المجلس نفسه. فالعالم الذي يواجه حروبا هجينة، وثورات تكنولوجية، وأزمات مناخية، وهجرات جماعية، لم يعد يشبه العالم الذي ولدت فيه الأمم المتحدة. كأن المؤسسة الأممية سفينة صمّمت لعبور المحيطات، فإذا بها مطالبة بالطيران.

لكن هل تستطيع برلين أن تكون قوة إصلاح؟ أم أنها ستجد نفسها أسيرة التوازنات ذاتها التي تنتقدها؟ وهل يمكن لدولة أوروبية أن تتحدث باسم عالم تتزايد فيه أصوات الجنوب العالمي؟ أم أن النظام الدّولي يتجه نحو لحظة يصبح فيها السؤال عن التمثيل أكثر أهمية من السؤال عن القوة نفسها؟ المثل الألماني يقول: “من يجلس في بيت زجاجي لا يرشق الآخرين بالحجارة”. غير أن السياسة الدولية أكثر تعقيدا؛ فالجميع يجلسون في بيوت زجاجية، والجميع يحملون الحجارة في الوقت ذاته. من هنا لا تبدو انتخابات مجلس الأمن مجرّد خبر دبلوماسي. إنها فصل جديد في الرواية الطويلة لصراع الشرعية والهيمنة، بين الذاكرة والمستقبل، بين موازين القوة وأحلام العدالة. وربما يكون السؤال الأعمق الذي يتركه المشهد معلّقا فوق العالم كله هو هذا: هل يسعى مجلس الأمن إلى إدارة الفوضى، أم إلى تأجيلها فقط؟ وهل أصبحت الأمم المتحدة مرآة للعالم كما هو، أم ما زالت تحاول أن تكون صورة للعالم كما ينبغي أن يكون؟ بين هذين السؤالين تحديدا، تتحرك ألمانيا. لا كدولة تبحث عن مقعد، بل كفكرة تبحث عن مكانها داخل القرن الحادي والعشرين.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “ألمانيا: مجلس الأمن ومقعد في مهبّ الريح

  1. أي أثر لأي دولة ما تشغل مقعدا مؤقتا في هذا المجلس؟ أي صوت لها وهي مقيدة تابعة خاضعة ومساندة لإرادة قوة عضمى تتجاهل العدالة وحقوق الإنسان وتشعل نيران الحروب أينما شاءت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *