بقلم زكية لعروسي, باريس
في روايات دوستويفسكي، كانت المأساة في الممرات التي تسبقها. في ذلك الشعور الثقيل بأن الإنسان يضيع شيئا فشيئا داخل متاهة لا يعرف من بناها ولا لماذا بنيت. ولو قدّر لأحد كبار الروائيين الروس أن يتجول اليوم أمام أبواب المحافظات الفرنسية، لرأى مشهدا أقرب إلى أدب كافكا منه إلى دولة تقدم نفسها باعتبارها إحدى أعرق الديمقراطيات الحديثة. هناك، خلف الواجهات الزجاجية للمؤسسات الإدارية، لا يقف المهاجر أمام موظف، بل أمام شاشة. لا يحاور إنسانا، بل خوارزمية. ولا ينتظر قرارا فحسب، بل ينتظر اعتراف الدولة أصلا بوجوده. لقد دخلت فرنسا مرحلة جديدة من علاقتها بالهجرة؛ مرحلة لم تعد تدار فيها الحدود عند أطراف البلاد فقط، بل داخل المنصات الرقمية ذاتها. أصبح الحاسوب هو الحارس الجديد للبوّابات، وأصبحت كلمة المرور أحيانا أكثر أهمية من جواز السفر.
لكن لفهم الأزمة الحالية، لا يكفي النظر إليها كخلل إداري أو مشكلة تقنية. ما يحدث في فرنسا يعكس أزمة أعمق بكثير تتعلق بموقع الدولة القومية الأوروبية في القرن الحادي والعشرين. فمن جهة، تحتاج فرنسا إلى اليد العاملة الأجنبية في قطاعات حيوية عديدة؛ من المستشفيات إلى البناء، ومن الجامعات إلى الخدمات. ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطا سياسية وشعبية متزايدة مرتبطة بملف الهجرة والاندماج والهوية الوطنية. وهنا تظهر المفارقة الكبرى. الاقتصاد يطلب مهاجرين. والسياسة تخشى المهاجرين. والإدارة تجد نفسها عالقة بين الطرفين. لقد تحولت الهجرة في أوروبا إلى قضية جيوسياسية بامتياز. فالحروب في الشرق الأوسط، والاضطرابات في الساحل الإفريقي، والتفاوت الاقتصادي بين الشمال والجنوب، والتغيرات المناخية، كلها تصب في نهر بشري واحد يتجه نحو القارة الأوروبية. إن ما تواجهه فرنسا اليوم ليس مجرد “تدفق مهاجرين”، بل انعكاس مباشر لاختلالات النظام الدولي نفسه. وحين تصبح الفوارق بين الضفتين هائلة إلى هذا الحد، تتحول الحدود إلى سدود تحاول وقف تيار تاريخي جارف.
في قلب هذه الصورة يقف المهاجر. ليس كرقم في الإحصاءات. بل كإنسان يعيش بين عالمين. ترك بلدا بحثا عن فرصة، ليجد نفسه أحيانا عالقا في منطقة رمادية بين القانون والانتظار. وهنا تبرز مأساة الوثيقة الإدارية. فالورقة التي تبدو تفصيلا بيروقراطيا بالنسبة للبعض، قد تعني بالنسبة للمهاجر حق العمل أو فقدانه، حق الدراسة أو ضياعه، حق العلاج أو الحرمان منه. إنها ليست ورقة. إنها مصير. أما الطلبة المغاربة، الذين يشكلون إحدى أكبر الجاليات الطلابية الأجنبية في فرنسا، فيعيش كثير منهم وضعا معقدا لا يخلو من التناقض. ففرنسا تستقطبهم بوصفها قوة أكاديمية وثقافية عالمية، لكن عددا منهم يواجه تأخيرات وإجراءات إدارية مرهقة تتعلق بالإقامات وتجديد الوثائق والانتقال من وضع الطالب إلى وضع العامل. وبين نهاية الدراسة وبداية الحياة المهنية، تظهر فجوة بيروقراطية قد تمتد أشهرا. وخلال تلك الأشهر يصبح المستقبل كله معلقاً على ملف إلكتروني لا يتحرك.

إن المفارقة المؤلمة هي أن كثيرا من هؤلاء الشباب يتقنون الفرنسية، ويدرسون في الجامعات الفرنسية، ويحملون مشاريع مهنية يحتاجها الاقتصاد الفرنسي نفسه، ومع ذلك يجدون أنفسهم أسرى منظومة إدارية مثقلة بالأعباء. لكن العدالة تقتضي النظر إلى الصورة كاملة. فالدولة الفرنسية تواجه بدورها تحديا هائلا. فعدد الطلبات يتزايد باستمرار، وتعقيد القوانين يزداد عاما بعد عام، والموارد الإدارية ليست بلا حدود. كما أن النقاش السياسي حول الهجرة أصبح من أكثر الملفات حساسية واستقطاباً داخل المجتمع الفرنسي. ولهذا فإن كثيرا من الموظفين والإدارات يجدون أنفسهم تحت ضغط متواصل بين متطلبات القانون وتوقعات الرأي العام والقدرات الواقعية المتاحة. غير أن السؤال الفلسفي الأهم يبقى مطروحا: هل يمكن لدولة حديثة أن تستبدل الإنسان بالكامل بالخوارزمية؟ هنا تكمن العقدة الحقيقية. فالتكنولوجيا قادرة على تسريع الإجراءات. لكنها لا تستطيع دائما فهم الحالات الإنسانية المعقدة. الخوارزمية ترى ملفا. أما الموظف فيرى إنسانا. والفرق بين الأمرين قد يحدد مصير أسرة كاملة. لقد اكتشفت فرنسا، كما اكتشفت دول أخرى قبلها، أن الرقمنة ليست مجرد تحديث إداري، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمواطن والمقيم.
ومن منظور جيوسياسي أوسع، فإن ما يحدث اليوم ليس أزمة فرنسية خالصة. إنه جزء من أزمة أوروبية أشمل. فالقارة العجوز تواجه في الوقت نفسه:
– شيخوخة ديموغرافية متسارعة.
– نقصا في العمالة الماهرة في عدة قطاعات.
– ضغوطا متزايدة على أنظمة الاندماج.
– تصاعدا للتيارات الشعبوية.
– وتحديات أمنية مرتبطة بالهجرة غير النظامية وشبكات التهريب.
وهكذا تجد أوروبا نفسها أمام معادلة شبه مستحيلة: كيف تحافظ على قيمها الإنسانية واحتياجاتها الاقتصادية دون أن تفقد السيطرة على حدودها وأنظمتها الإدارية؟ إن الهجرة ليست كارثة في ذات ا. وليست حلا سحريا كذلك. إنها ظاهرة تاريخية صاحبت البشرية منذ فجر الحضارات. لكن نجاحها أو فشلها يعتمد على قدرة الدول على إدارتها بفعالية وعدالة. فالفوضى تضر بالمجتمعات المستقبِلة كما تضر بالمهاجرين أنفسهم. والتعسف الإداري يخلق مظالم حقيقية. كما أن غياب التنظيم يخلق توترات اجتماعية لا تقل خطورة. تبدو فرنسا اليوم كأنها تقف أمام تناقضات تعكس العصر كله. بلد يحتاج إلى الانفتاح لكنه يخشى تبعاته. بلد يدافع عن حقوق الإنسان لكنه يواجه صعوبة في إدارة التعقيد البيروقراطي المتزايد. بلد يريد أن يكون قوة عالمية جاذبة للكفاءات، لكنه يواجه تحديات حقيقية في تحويل هذا الطموح إلى تجربة إدارية سلسة. ولعل المعضلة الحقيقية ليست في عدد الملفات المتراكمة داخل المحافظات. بل في السؤال الذي يختبئ خلف كل ملف: كيف يمكن للدولة أن تبقى قوية دون أن تصبح بعيدة؟ وكيف يمكن للقانون أن يبقى صارماً دون أن يفقد إنسانيته؟ ذلك هو التحدي الذي لا تواجهه فرنسا وحدها، بل تواجهه معظم الديمقراطيات الحديثة في زمن الهجرات الكبرى والتحولات العالمية المتسارعة.
📲 Partager sur WhatsApp