بقلم زكية لعروسي, باريس
في هذا العصر، لم يعد الإنسان يموت فقط بالحروب. يموت أيضًا بالأرقام. يموت داخل الجداول الإحصائية، داخل نشرات البورصة، داخل تقارير “الاستقرار الإقليمي”، داخل كلمة باردة يقولها خبير استراتيجي على شاشة مكيفة الهواء: “الخسائر الجانبية”. يا لها من عبارة مذهلة. كأن الطفل الذي يُدفن تحت الركام مجرد فاصلة نحوية سقطت من تقرير عسكري. منذ سنوات، والعالم يراقب إيران كما يراقب مقامرٌ عجوز طاولة روليت مشتعلة. الجميع يضع رهاناته فوق الخريطة:
النفط-
المضائق-
النفوذ-
اليورانيوم-
العقوبات-
الطوائف-
الطائرات المسيّرة-
والله وحده يعرف ماذا أيضا. لكن أحدا لا يسأل السؤال الأكثر بدائية وإنسانية: كم يساوي شعب كامل مقارنة بثمن الحرب عليه؟
تتحدث بعض التقديرات والتحليلات الجيوسياسية عن أرقام مرعبة قد تتجاوز 4000 مليار دولار ككلفة مباشرة وغير مباشرة لأي انفجار إقليمي واسع يشمل إيران والمنطقة. أربعة آلاف مليار. رقم لا يبدو حقيقيا حتى حين يُكتب. أربعة آلاف مليار دولار…تكفي، بحسب تقديرات أممية ومقاربات اقتصادية، لإطعام عشرات الملايين من البشر لسنوات، وبناء أنظمة صحية وتعليمية كاملة لقارات منهكة، وإنقاذ أجيال كاملة من الجوع والهجرة والانهيار النفسي. لكن العالم الحديث يبدو كمدمن حرائق فاخر:
يعرف تماما كلفة الإطفاء…ويشعل النار رغم ذلك.
المنطقة التي تأكل نفسها
إيران مختبر ضخم للتعب العالمي. بلد يضم قرابة تسعين مليون إنسان، يعيش منذ عقود بين المطرقة والعقوبات والحصار والتضخم والوعود المؤجلة. في بعض السنوات، تجاوز التضخم مستويات جعلت المواطن الإيراني يشعر أن راتبه يذوب أسرع من قطعة ثلج فوق صفيح ملتهب. العملة تنزف، الطبقة الوسطى تتآكل، والشباب يهاجر بعينيه حتى لو بقي جسده داخل البلاد. لكن المأساة لا تخص إيران وحدها. الشرق الأوسط كله صار كأنه عائلة تتشاجر داخل بيت يحترق.
العراق خرج من حرب ليدخل في حرب أخرى –
سوريا تحولت إلى جغرافيا من الندوب –
لبنان صار جمهورية تنتظر الكهرباء كما كان القدماء ينتظرون المطر –
واليمن يشبه طفلا هزيلا تُجرّب فوقه القوى الكبرى نظرياتها العسكرية –
ومع ذلك، تستمر ماكينة الإنفاق العسكري العالمية كأنها ديانة جديدة. العالم ينفق على السلاح أكثر مما ينفق على الحكمة. على البارود أكثر مما ينفق على المدارس…على الأقمار الصناعية القاتلة أكثر مما ينفق على علاج الاكتئاب الجماعي الذي يصيب الشعوب. أي حضارة هذه؟ حضارة تستطيع أن تعرف، بالدقيقة والثانية، زمن وصول صاروخ فرط صوتي إلى هدفه…
لكنها عاجزة عن إيصال الخبز لطفل جائع.
اقتصاد القيامة
الحروب الحديثة لم تعد مجرد دبابات. الحرب اليوم قد تكون عقوبة اقتصادية تخنق شعبًا كاملًا ببطء محترف، مثل أفعى بيروقراطية عملاقة. قد تكون انهيار عملة, أو طوابير دواء, أو هجرة عقول. أو شبابا يقفون أمام السفارات أكثر مما يقفون أمام أحلامهم. في الماضي، كان الاستعمار يأتي بالبندقية.اليوم يأتي أحيانا عبر النظام المالي العالمي. والمفارقة الساخرة أن الدول التي تتحدث عن حقوق الإنسان، هي نفسها التي تبيع الأسلحة بمليارات الدولارات للمنطقة. إنه عالم يشبه تاجر نعوش يلقي محاضرة عن السلام.

الإنسان… ذلك الكائن الرخيص
أخطر ما فعلته الجغرافيا السياسية بالعالم، أنها جعلت الإنسان أرخص من السردية. صار يمكن تدمير مدن كاملة فقط لأن محللًا قال إن “التوازنات الإقليمية” تتطلب ذلك. وصارت نشرات الأخبار تتحدث عن آلاف القتلى بنفس البرودة التي تتحدث بها عن حالة الطقس. لقد اعتدنا الرعب. وهذه هي الكارثة الحقيقية. الإنسان المعاصر لم يعد يُصدم من المأساة، بل من انقطاع الإنترنت أثناء المأساة.
الشرق الأوسط, الآن, رواية روسية سيئة التدفئة, لو عاش دوستويفسكي اليوم، ربما لترك شوارع بطرسبورغ وكتب عن الشرق الأوسط. كان سيكتب عن شعوب تصلي فوق الأنقاض، وعن أمهات يخبزن الخبز قرب الدمار، وعن رجال يبيعون آخر ما يملكون ليشتروا تأشيرة هروب. وكان سيضحك، تلك الضحكة الروسية السوداء، حين يرى أن العالم يستطيع إنفاق آلاف المليارات على الموت… ثم يعجز عن توفير الدواء. أي عبث أعظم من هذا؟ في المقهى، يتجادل الخبراء حول “الردع النووي”، بينما أمّ في قرية نائية تبحث فقط عن حليب لطفلها. بين قاعة المؤتمرات والشارع المنهك… توجد هوة بحجم الحضارة نفسها. رغم كل هذا السواد، يبقى الأمل موجودا في مكان صغير وعنيد.
– في الطالب الذي يقرأ رغم الخراب.
-في الطبيب الذي يواصل العمل رغم الانهيار.
-في الصحفي الذي يكتب الحقيقة رغم الصخب.
-في الشعوب التي ما زالت، بطريقة معجزة، تواصل الحياة.
ربما لأن الإنسان خُلق بعناد يفوق الحروب. وربما لأن المنطقة لا تحتاج فقط إلى اتفاقات سياسية، بل إلى ثورة أخلاقية تعيد للإنسان قيمته أمام الخرائط والأسواق والسلاح. العالم لا ينقصه المال لإنقاذ البشر. العالم ينقصه الخجل فقط. تبقى الحقيقة الأكثر رعبا: لقد صار ثمن تدمير الشرق الأوسط معروفا بالأرقام الدقيقة…أما ثمن إنقاذه، فلا أحد يريد حتى حسابه.
📲 Partager sur WhatsApp
تحليل سباسي عميق برمزيته، ماتع بأسلوبه.
نتمنى من العقلاء أن يقلبوا الحسابات من الدمار إلى الإنقاذ.