بقلم زكية لعروسي, باريس
ليست القضية مجرد كريم شمسي مغشوش، ولا مجرد منصة إلكترونية أغفلت واجبها الأخلاقي، بل هي صورة مصغرة لعصر بات فيه الإنسان يستهلك الطمأنينة كما يستهلك السلع؛ يشتري شعورا بالأمان قبل أن يشتري الأمان نفسه، ثم يكتشف متأخرا أن ما اقتناه لم يكن سوى قناع هشّ يخفي وجه الخطر. إن نتائج الاختبارات التي كشفت عنها جمعية حماية المستهلك الفرنسية لا تتحدث عن مستحضرات تجميل فحسب، وإنما تفضح فلسفة كاملة تحكم الأسواق الرقمية المعاصرة؛ فلسفة تقوم على إغراء العين، وتسعير الثقة، وتسويق الوهم بألوان زاهية، بينما الحقيقة تتوارى في المختبرات وبين السطور الدقيقة التي لا يقرؤها أحد.
ما الذي يفعله ذلك الإنسان البسيط الذي لا يملك رفاهية المقارنة بين العلامات التجارية؟ ذلك الأب الذي يبحث عن واق شمسي لأطفاله بأقل ثمن، أو تلك الأم التي ظنت أنها تحمي بشرة صغيرها من شمس الصيف، فإذا بها تمنحه، دون أن تدري، تذكرة مفتوحة نحو الأشعة فوق البنفسجية والمواد المحظورة؟ إنه لا يشتري منتجا فحسب، بل يودع ثقته في يد عالم لا يعرف اسمه، ولا يرى وجهه، ولا يسمع صوته. يضغط زر “اشترِ الآن”، وكأنه يوقع عقدا صامتا مع منظومة كونية تقول له: “ثق بنا… فنحن نحمي جيبك” غير أن هذه الثقة، في اقتصاد المنصات العابرة للقارات، أصبحت سلعة هي الأخرى، قابلة للبيع والشراء والتلاعب.
لقد كانت الأسواق القديمة تقوم على معرفة الوجوه؛ يعرف البائع زبونه، ويعرف الزبون باب الدكان الذي سيعود إليه إن وقع الغش. أما اليوم، فقد صار البائع شبحا رقميا، والعنوان سحابة إلكترونية، والمنتج يولد تحت اسم ويموت تحت اسم آخر، ككائن زئبقي لا يترك أثرا سوى تقييمات قد تكون هي الأخرى صناعة خوارزمية. إن المأساة لا تكمن في المادة السامة وحدها، بل في انهيار المعنى. فالواقي الشمسي، في رمزيته الإنسانية، هو وعد بالحماية من الشمس، ذلك النجم الذي منح الحياة للأرض منذ ملايين السنين. لكن الإنسان الحديث استطاع أن يحوّل حتى أدوات الحماية إلى مصادر للخطر، وكأن الحضارة بلغت مرحلة أصبح فيها الخوف يتخفى داخل الأشياء التي صنعت لتطمئننا.

هنا يتجلى التناقض الفلسفي الأكثر قسوة؛ فكلما ازدادت التكنولوجيا تعقيدا، ازداد الإنسان هشاشة. وكلما توسعت الأسواق، تقلصت قدرة الفرد على معرفة مصدر ما يستهلك. لقد أصبح يعيش داخل غابة من العلامات التجارية، بينما الجذور الحقيقية للمنتج مدفونة في مصانع لا يعرف عنها شيئًا، وفي سلاسل توريد تمتد كمتاهة بلا نهاية. ولعل أخطر ما في هذه الحادثة أنها تكشف عن اقتصادٍ فقد ذاكرته الأخلاقية. فالمنتج المحظور لا يختفي؛ بل يعود بعبوة جديدة، واسم جديد، وشعار جديد، كما تعود الأساطير القديمة متنكرة في أقنعة حديثة. إنه أشبه بطائر الفينيق، لا يولد من الرماد هذه المرة، بل من ثغرات الرقابة وضعف التتبع.
إن الإنسان الفقير، أو الباحث عن السعر الأرخص، ليس مذنبا لأنه اختار الأقل تكلفة، بل لأنه يعيش في عالم جعل الجودة امتيازا طبقيا، وجعل الأمان سلعة تختلف أسعارها باختلاف القدرة الشرائية. وهكذا يتحول الاقتصاد، دون أن يشعر، إلى نظام يوزع المخاطر كما يوزع الثروات؛ فالأغنياء يشترون الضمان، بينما يشتري الفقراء الاحتمال. وليس المطلوب شيطنة التجارة الإلكترونية، فقد أتاحت للعالم فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى السلع والمعرفة. لكن ما يحدث اليوم يفرض سؤالا يتجاوز الاقتصاد إلى الفلسفة السياسية والأخلاقية: من يحرس الحارس؟ ومن يراقب المنصات التي أصبحت أكبر من الحدود الوطنية، وأسرع من التشريعات، وأقدر على إعادة إنتاج السلعة المرفوضة قبل أن تنتهي الجهات الرقابية من كتابة تقريرها؟
لقد صار الإنسان المعاصر يسير في سوق هائلة بلا جدران، تلمع فيها الإعلانات كما تلمع السرابات فوق الرمال. يظن أنه يختار بحرية، بينما الخوارزميات تختار له، ويظن أنه يقتني منتجا، بينما قد يكون في الحقيقة يقتني مخاطرة مؤجلة. إن هذه الواقعة ليست مجرد خبر صيفي عن كريمات شمس، بل مرآة لعصر اختلط فيه الضوء بالظل، والحماية بالخطر، والحقيقة بالإعلان. وهي تذكرنا بأن الحضارة لا تقاس بسرعة الشحن، ولا بعدد المنتجات المعروضة على الشاشة، بل بقدرتها على صون الإنسان حين يقرر، ببساطة، أن يثق.
📲 Partager sur WhatsApp