من يحكم العالم: العقيدة أم الأثر؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الأزمنة القديمة، كان الحكم يُعيّر بعدد المدن المفتوحة، واليوم يُعيّر بعدد الأرواح التي استطعت أن تقنعها بأنك وحدك معنى النجاة. فالسياسة لم تعد فنّ إدارة الدولة كما تخيّلها أرسطو، ولا “عقدا اجتماعيا” كما حلم جان جاك روسو، بل صارت أقرب إلى هندسة الوعي الجماعي؛ أي إلى تلك القدرة الغامضة على جعل الشعب يرى العالم بعيني الحاكم، حتى وإن كانت السماء تحترق فوقه. وفي هذا العصر المتخم بالضجيج الإلكتروني، يخرج رجلان من طرفي الجغرافيا وكأنهما وجهان لمرآة واحدة: فلاديمير بوتين ودونالد ترامب. أحدهما قادم من ثلوج الإمبراطوريات الروسية، والآخر من ذهب الأبراج الأميركية. لكن كليهما فهم الحقيقة الأقدم في التاريخ: الناس لا تتبع الوقائع… بل تتبع الرواية.

بوتين ليس مجرد رئيس روسي. إنه محاولة متأخرة لإيقاظ روح القيصر داخل جسد الدولة الحديثة. حين يتحدث عن “القضية العادلة”، لا يتحدث كسياسي عادي، بل كراهب أرثوذكسي يحمل فوق كتفيه ذاكرة روسيا الجريحة؛روسيا التي أحرقتها جيوش نابليون بونابرت، ثم حاولت النازية اقتلاعها من التاريخ. إنه يستحضر اللاوعي الروسي العميق: الخوف من الحصار، والهوس بالمجال الحيوي، والإيمان بأن الغرب لا يريد لروسيا أن تكون إلا ظلا باردا على أطراف أوروبا. هنا يتحول الحاكم إلى كاتب أساطير.

ففي الثقافة الروسية، لم يكن الأدب منفصلا عن السلطة قط. فيودور دوستويفسكي كتب عن الإنسان الممزق بين الخطيئة والخلاص، بينما كان ليو تولستوي يرى التاريخ نهرا لا يصنعه الأبطال وحدهم بل آلام الشعوب أيضا. أما ألكسندر سولجينتسين فقد كشف كيف يمكن للدولة أن تتحول إلى قدر فولاذي يسحق الروح باسم الوطن.

بوتين خرج من كل هذه الكتب دفعة واحدة. فيه شيء من رهبان القيصر، وشيء من رجال الاستخبارات الذين تعلموا أن العالم لا يُدار بالأخلاق بل بالخوف. إنه لا يريد فقط الانتصار في حرب، بل يريد إعادة تعريف روسيا باعتبارها “حضارة مستقلة” لا تابعة لأحد. أما ترامب، فهو الوجه المقابل في المسرح ذاته. إذا كان بوتين ابن الثلج الروسي، فترامب ابن الصحراء الرأسمالية الأميركية؛ رجل لا يؤمن بالمؤسسات بقدر ما يؤمن بالصورة، ولا بالتاريخ بقدر ما يؤمن بالصفقة. لكنه يشترك مع بوتين في شيء أخطر: كلاهما فهم أن الجماهير المتعبة تبحث عن أبٍ صارم أكثر من بحثها عن ديمقراطية مثالية.

هنا تعود إلينا, قارئي الكريم, حكمة العرب القديمة. كان ابن خلدون يقول إن الدول تبدأ بالعصبية وتنتهي بالترف.
والعصبية هنا ليست القبيلة فقط، بل ذلك الشعور الجمعي بأن “نحن” مهددون دائما من “هم”. وهذا ما أتقنه الرجلان معا:
صناعة الخوف كهوية وطنية. بوتين يقول للروس: الغرب يريد إذلالكم. وترامب يقول للأميركيين: النخب سرقت بلدكم.
اللغة تختلف، لكن الموسيقى واحدة. وفي الموروث الشعبي العربي كانت الجدات يعرفن هذه اللعبة جيدا. كانت “الأم خيرة” – تلك المرأة الحكيمة التي تحفظ الأمثال أكثر مما تحفظ الحكومات القوانين – تقول: “اللّي يخوّفك… يربطك من رقبتك.” وتقول أيضا: “ اللي يكثّر من العديان، بحال اعمى يسرح قطيع الخرفان .” كم كانت الأم خيرة تفهم السياسة أكثر من نشرات الأخبار.

السياسة في جوهرها ليست ما نعتقده فقط، بل ما نتركه في ذاكرة الشعوب. قد ينتصر الحاكم عسكرياً ويخسر أخلاقياً، وقد يهزم في الميدان لكنه يبقى في المخيلة الجماعية كبطل. التاريخ ليس سجلا للوقائع، بل صراعٌ على المعنى. ولهذا فإن الحرب في أوكرانيا ليست مجرد نزاع حدودي. إنها معركة سرديات كبرى: روسيا التي تريد استعادة مجدها الإمبراطوري، وأميركا التي تخشى أفول هيمنتها، وأوروبا التي اكتشفت متأخرة أن الرفاهية لا تمنع عودة الأشباح القديمة.

لقد علّمنا الإغريق, قرائي الأعزاء, أن التراجيديا تبدأ حين يعتقد البطل أن قدره استثناء من قوانين البشر. وعلّمتنا الحكايات العربية أن السلطان حين يطيل النظر في المرآة، يبدأ برؤية نفسه وطنا كاملا. بين بوتين وترامب يقف العالم مثل بحّار عجوز في بحر هائج، لا يعرف إن كان يسمع خطبا سياسية أم نبوءات نهاية عصر. وربما بعد خمسين عاما، لن يتذكر الناس تفاصيل المعارك ولا بيانات القمم، بل سيتذكرون سؤالا واحدا فقط: هل كان الحكام يصنعون التاريخ…أم كانوا مجرد ممثلين متعبين فوق خشبة خوف عالمي كبير؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *