بقلم زكية لعروسي, رئيسة تحرير الورقاء
ليست كرة القدم، في بعض الليالي، مجرد كرة تتقاذفها الأقدام؛ إنها وطن كامل يركض فوق العشب، وشعب كامل ينبض داخل أحد عشر قلبا، وتاريخ يخلع معطف الغبار ليرتدي عباءة المجد. في ليلة البارحة, واجه فيها المنتخب المغربي نظيره الهولندي، لم تكن الدقائق تحسب بعقارب الساعة، بل كانت توزن بنبضات الملايين. كانت الأنفاس تتصاعد من الرباط إلى العيون، ومن طنجة إلى الكويرة، ومن الدار البيضاء إلى آخر مغربي يقيم في أقصى جهات الأرض. كان الوطن كلّه يرفع يديه إلى السماء، وكأنّ المغرب قد أصبح قلبا واحدا، يخفق باسم واحد، ويحلم بحلم واحد. ثم جاء الفرح…لا، لم يأت الفرح، بل انفجر كنبع ظل محبوسا في أعماق الجبال لقرون. خرجت الزغاريد من البيوت كما تخرج السنونوات في أول الربيع، وارتفعت الأعلام المغربية حتى خيّل للناظر أنّ السماء استعارت لونها الأحمر من راية المملكة، وأن النجمة الخضراء لم تعد مرسومة على القماش، بل أصبحت مزروعة في قلوب المغاربة.
تحية للمنتخب الوطني، الذي لم يلعب مباراة فقط، بل كتب صفحة جديدة من كتاب الكرامة الرياضية المغربية. وتحية للفريق الهولندي، ذلك المنتخب العريق، صاحب المدرسة الكروية التي صنعت أمجادا وأهدت العالم فلسفات في كرة القدم قبل أن تهديه البطولات. فحين ينتصر المغرب على منافس بهذا الوزن، فإن قيمة الإنجاز تتضاعف، لأن الكبار لا يصنعون المجد إلا أمام الكبار، ولأن الاحترام للمنافس هو أول أوسمة المنتصر الحقيقي.

لقد أثبت أسود الأطلس أن الشجاعة ليست في الصراخ، وإنما في الثبات. وأن الموهبة ليست شرارة، بل نار تعرف كيف تضيء دون أن تحرق. وأن القميص المغربي لم يعد مجرد زيّ رياضي، بل صار راية تحمل ذاكرة أمة، وطموح أجيال، ورسالة وطن. ويستحق المدرب محمد وهبي كل الإشادة، فقد بدا كربّان يعرف لغة الريح، ويقرأ أمواج المباراة قبل أن تتكوّن. لم يكن يدير اللاعبين فقط، بل كان يعزف بهم سيمفونية من الانضباط والإبداع والإيمان. لقد منح الفريق شخصية لا تستعار، وروحا لا تشترى، وثقة جعلت المستحيل يبدو مجرد محطة عابرة في طريق الطموح.
ولا يمكن الحديث عن هذا المشهد المشرق دون استحضار الرؤية الملكية السديدة التي أولت الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص، عناية استراتيجية. فقد آمن صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- بأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم الاستثمارات، وأن الرياضة مدرسة للمواطنة، ومنصة لإبراز صورة المغرب الحديث، الواثق من نفسه، والمنفتح على العالم. وما نشهده اليوم ليس وليد صدفة، بل ثمرة سنوات من البناء، والتخطيط، ودعم البنيات التحتية، وتكوين المواهب، والإيمان بأن الراية المغربية تستحق أن ترفع عاليا في كل المحافل.

فهنيئا لجلالة الملك، وهنيئا للمملكة المغربية، وهنيئا لكل أمّ ربّت بطلا، ولكل أب علّم ابنه أن الوطن يبدأ من القلب، ولكل طفل رسم العلم المغربي على دفاتره قبل أن يرسم أحلامه. وهنيئا لمغاربة العالم…أولئك الذين حملوا المغرب في حقائب السفر، ثم اكتشفوا أن المغرب كان يحملهم في قلبه. في تلك الليلة، لم تعد المسافات موجودة. باريس، وبروكسيل، وأمستردام، ومونتريال، ومدريد، وميلانو، ودبي، وكل مدينةٍ يقطنها مغربي، تحولت إلى حي صغير من أحياء الوطن. كلّ الشرفات أنشدت النشيد الوطني، وكانت الدموع تتكلم باللهجة المغربية، وكانت القلوب تعرف طريقها إلى الوطن دون جواز سفر. لقد ضاقت الأرض بهذه الفرحة…ولو اتسعت القارات قارة أخرى لما اتسعت لكل هذا الفيض من الحب. حتى البحر، الذي طالما فصل بين المغاربة، بدا وكأنه صار مجرد جدول صغير تعبره الأغاني. وحتى الجبال، من الأطلس إلى الريف، بدت وكأنها تنحني احتراما لراية تعرف كيف تصعد إلى القمم.

هذا المغرب…ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل فكرة تمشي على قدمين. حضارة تحفظ جذورها وهي تمد أغصانها إلى المستقبل. بلد كلما ظن العالم أنه بلغ قمته، فاجأه بقمة أعلى. إننا لا نريد للمغرب أن يكون كبيرا في كرة القدم وحدها، بل أن يكون كبيرا في العلم، والثقافة، والاقتصاد، والابتكار، والدبلوماسية، والفنون، والصناعة، والإنسان. نريده وطنا يرفع رايته في كل ميدان، حتى يصبح اسم المغرب مرادفا للتميّز حيثما ذكر.
أيها الأسود…واصلوا الزئير. واصلوا كتابة الحكاية. واصلوا إقناع العالم بأن المستحيل ليس سوى كلمة لم تترجم بعد إلى اللغة المغربية. وسيبقى المغاربة، داخل الوطن وخارجه، جنودا أوفياء لهذا العلم، لا يحملون في صدورهم إلا الإيمان بالله، والولاء للوطن، والمحبة الصادقة لهذا التراب المبارك. فالمجد لا يولد من الصدفة…المجد يولد حين يقرر وطن كامل أن يحلم… ثم يستيقظ ليجد أن الحلم صار علما يرفرف فوق العالم.
📲 Partager sur WhatsApp
فعلا لعبة تحركها سيمفونية انتماء ادم شعب وأرض ووطن. انها الحقيقة التي تتكلم لغات العالم و لكنة مسقط الرأس، تلك التي اسمها تامغربيت.
تعبير كاتبتنا الموهوبة بالإفتخار الخالص لفوز المنتخب المغربي لكرة القدم ومعانيه الرمزية لم يغفلها عن التعبير بأمنيتها لفوز نخب مغربية أخرى في ميادين العلم والثقافة والاقتصاد والإبداع الصناعي. لقد نطقت بما نتمناه جميعا لوطننا وشكرا لها.