بقلم زكية لعروسي, باريس
في قاعة من قاعات الكلام التي تشبه الكهوف الأولى للإنسان، حيث تتردد الأصداء قبل أن تقال الكلمات، وقف البرلماني لا بوصفه فردا، بل كأثر من آثار زمن مضطرب، كظلّ ممتدّ من تاريخ لم يحسم بعد. كان صوته كأنه انبعاث لخطاب قديم، خطاب. عرفته الإمبراطوريات حين كانت تخاف من “الآخر”، وتستدعي الخطر لتعيد تعريف نفسها.هناك، في تلك اللحظة، لم يكن البرلمان مجرد مؤسسة حديثة، بل مسرحا تتقاطع فيه الأزمنة: من أثينا حين كانت “البرابرة” كلمة تقال لتحديد من لا ينتمي، إلى قرطاج التي عرفت أن البحر لا يفصل بين الشعوب بل يربطها، إلى الأندلس حيث امتزجت اللغات حتى صار الغريب مرآة للذات لا تهديدا لها.

لكن الكلمات، حين تفلت من عقال الحكمة، تتحول إلى كائنات غريبة، لها أنياب الذاكرة الجماعية. فالتاريخ، هذا الكائن الصامت، لا ينسى. إنه يسجل، لا بالمداد، بل بالندوب. وكل خطابٍ يُقصي، يُنقش كعلامة على جسد الحضارة. ما قاله الرجل لم يكن مجرد رأي سياسي، بل كان استدعاء لثنائية قديمة: “نحن” و”هم”، تلك الثنائية التي حاولت الفلسفة، منذ أفلاطون إلى إيمانويل ليفيناس، أن تفككها. ليفيناس، الذي رأى في وجه الآخر دعوة أخلاقية، لا تهديدا، كان سيصمت طويلا أمام هذا المشهد، كأنما يراقب انكسار الفكرة في مرآة الواقع.
في عمق هذا الخطاب، يمكن سماع صرير حدود ترسم لا على الخرائط، بل في العقول. حدود لا تعترف بأن الإنسان، قبل أن يكون مهاجرا أو مواطنا، هو قصة تمشي، ذاكرة تتنقل، وجوع إلى معنى. واللغة التي تُشيطن، هي نفسها اللغة التي تُفقر العالم، لأنها تختزل تنوعه في خوف واحد.
تونس، التي عبرتها القوافل واحتضنت الفينيقيين والرومان والعرب والأفارقة، ليست مجرد جغرافيا؛ إنها طبقات من الزمن. وكل طبقة تقول شيئا مختلفا عن الآخر. فكيف لصوت واحد أن يختزل هذا التعقيد في حكم قاس؟ إن ما حدث هو علامة على توتر أعمق: صراع بين ذاكرة الانفتاح وقلق الحاضر. بين تاريخٍ يعلم أن الهوية نهر، وخطاب يريدها جدارا. و يبقى السؤال معلقًا، لا في سماء السياسة، بل في فضاء الفلسفة: هل يمكن لحضارة أن تحمي نفسها بإقصاء الآخرين، أم أنها بذلك تقصي جزءا من ذاتها؟ ذلك السؤال، الذي لم يجب عنه البرلماني، سيظل يتردد، كصدى بعيد، في أروقة التاريخ.
📲 Partager sur WhatsApp