بقلم زكية لعروسي, باريس
في الثامن من ماي، لا تنتهي الحرب. الحروب الحقيقيّة لا تنتهي أبدا؛ إنّها تغيّر فقط معاطفها، وتنتقل من الخنادق إلى الذاكرة، ومن صفّارات الإنذار إلى الكتب المدرسيّة التي تكذب بأناقة بيروقراطيّة. في فرنسا، حين يُذكر الثامن من ماي، تخرج النساء من ظلال الأرشيف كأنّهنّ قدّيسات بوجوه متعبة. لا يأتين مزهوّات بأوسمة الجمهوريّة، بل بملامح أولئك الذين عبروا الجحيم وعادوا بأعين لا تنام.
لوسي أوبراك لم تكن امرأة فقط، بل كمينا أخلاقيّا متنقّلا. كانت تحمل فرنسا في حقيبة يد، وتمرّ بها من تحت أنوف الجنود- الألمان كما تمرّ الريح من بين أسنان المقصلة.
– ماري مادلين فوركاد أدارت شبكات الاستخبارات كما يدير عازف كمان سمفونيّة موت سرّيّة.
جوزفين بيكر خبّأت الأسرار داخل النوتات الموسيقيّة، كأنّ الفنّ نفسه يمكن أن يصبح مسدّسا محمّلا بالحرّيّة.
–جيرمين تيليون دخلت المعسكرات النازية وهي تحمل عقلا أكثر صلابة من الحديد، بينما كانت شارلوت ديلبو تحوّل رماد المحارق إلى أدب يشبه القيامة.

كانت فرنسا، في تلك السنوات، أشبه بمسرح دوستويفسكيّ ضخم: الجميع مذنبون، الجميع خائفون، والجميع يبحثون عن خلاصهم في جيب امرأة تحمل رسالة سرّيّة تحت الخبز. لكنّ ما يدهش حقّا ليس فقط شجاعة الفرنسيّات، بل قدرة الدولة الفرنسيّة لاحقا على صناعة سرديّة وطنية من دموعهنّ. فرنسا – بذكاء الدول العجوز – تعرف كيف تحوّل الألم إلى نصب تذكاري، والبطولة إلى جزء من الهوية الجمهوريّة. هناك متاحف، وأفلام، وشوارع، وطقوس تذكّر الأحياء بأنّ نساء عبرن من هنا وغيّرن مجرى التاريخ.
أمّا في المغرب… فالحكاية أكثر مرارة، وأكثر جاحظيّة في سخريتها السوداء. في المغرب، قاومت النساء أيضا، لكنّهنّ قاومن بصمت يشبه صلاة بدويّة ضاعت في مهبّ الريح. لم يكنّ يرتدين القبّعات العسكريّة، بل الجلابيب الثقيلة. لم يحملن دائما البنادق، بل حملن الخبز للمقاومين، والرسائل تحت الضفائر، والرصاص داخل أواني الدقيق. نساء المغرب لم يدخلن التاريخ من أبوابه الكبرى، بل من شقوقه الخلفيّة.
كم امرأة مغربيّة أخفت مقاوما في غرفة طينيّة ثم عادت لتحلب الماعز وكأنّ شيئا لم يحدث؟ كم امرأة كانت تعرف أسماء الخونة أكثر من رجال السلطة أنفسهم؟
كم أمّ ودّعت ابنها نحو الجبل وهي تعرف أنّه لن يعود، ثم واصلت إعداد الشاي للضيوف بابتسامة تشبه الانكسار؟ كانت المغربيّة تقاوم كما تتنفّس: دون ضجيج. لكنّ المأساة الكبرى أنّ المغرب – بخلاف فرنسا – لم يتقن فنّ الاعتذار الرمزي لنسائه. لقد وضع المقاومين الذكور في الصور الرسميّة، بينما ترك النساء على هامش الأبيض والأسود، كأنّ البطولة مؤنّثة إلى درجة تربك المؤرّخين.
في كتب التاريخ المدرسيّة المغربيّة، تمرّ النساء المقاومات كأشباح عابرة. أسماء قليلة تُذكر، ثم يُغلق القوس بسرعة، وكأنّ الوطن يخجل من الاعتراف بأنّ نساءه كنّ أشجع من كثير من رجاله. أين المتاحف الكبرى لذاكرة المقاومات المغربيات؟ أين الأفلام التي تروي كيف كانت النساء ينقلن السلاح تحت القفطان والجلباب المغربيين؟ أين الروايات التي تكتب عن تلك القرى التي كانت النساء فيها جمهورا سرّيا للثورة؟
المغرب يحتفي بالمقاومة أحيانا كما يحتفي البخلاء بالذهب: يعرضه من بعيد، ثم يُعيده سريعا إلى الخزنة. ومع ذلك، فإنّ النساء المغربيات المقاومات يشبهن الزيتون تماما: أشجار لا تصرخ، لكنّ جذورها تهزم العطش والتاريخ معا. كنّ يحملن عرش الزيتون بيد، والصمت على الكتف الأخرى. الصمت المغربي ليس فراغا؛ إنّه أرشيف غير مكتوب. بلاد كاملة يمكن أن تنهار من شدّة الكلام، لكنّها تستمرّ بفضل نساء يعرفن كيف يبتلعن الألم دون أن يبتلعهنّ.
هنا تحديدا، تصبح المقارنة بين فرنسا والمغرب مرآة قاسية. فرنسا حوّلت مقاوماتها إلى أسطورة جمهوريّة.
أمّا المغرب، فما يزال يضع نساءه المقاومات في غرفة الانتظار التاريخيّة، يطلب منهنّ الصبر حتّى إشعار آخر. لكن، من قال إنّ التاريخ عادل أصلا؟ التاريخ -كما فهمه دوستويفسكي- دفتر حسابات كتبه المنتصرون بأقلام مرتجفة. أمّا الجاحظ، فلو عاد اليوم، لربّما ضحك طويلا من هذه الأمم التي تتغنّى بالبطولة، ثم تنسى من طبخوا للبطولة حساءها الأخير.
قارئي العزيز، ليس الثامن من ماي مجرّد ذكرى انتصار عسكري. إنّه اختبار أخلاقي لذاكرة الدول. الدول العظيمة ليست تلك التي تربح الحروب فقط، بل تلك التي تعرف كيف تنحني أمام نسائها بعد انتهاء الحرب. لأنّ النساء لا يصنعن المقاومة فحسب…
بل يصنعن المعنى الإنساني للمقاومة.
ومن باريس إلى الرباط، ومن أقبية التعذيب إلى القرى التي كانت تخبّئ الثوار داخل الصمت، ظلّت النساء دائما يقفن على حافّة التاريخ، يدفعنه إلى الأمام، بينما الرجال يوقّعون الاتفاقات ويلتقطون الصور التذكاريّة. لهذا، حين نكتب عن المقاومة النسائيّة، فنحن لا نستعيد الماضي فقط. نحن نعيد تعريف البطولة نفسها. البطولة ليست رجلا يرفع العلم فوق دبابة. البطولة قد تكون امرأة مجهولة الإسم، تخبّئ رسالة في رغيف خبز، ثم تمضي لإيقاظ أطفالها للمدرسة وكأنّ العالم بخير.
📲 Partager sur WhatsApp
ما تكتبه الدكتورة هو نقش على حجر ذاكرة كادت تفقد الازمنة
سعداء جدا بكل هذه المعلومات القيمة ..
التاريخ لا يكرر نفسه بالطريقة نفسها، لكنه يحتفظ دائما برائحة الدم ذاتها. ففي كل زمن، تتبدل الأعلام والأسلحة والخطابات، بينما يبقى الإنسان هو الضحية الأكثر هشاشة وسط جنون القوة. وما يجعل ذكرى الثامن من ماي مؤلمة ليس فقط أنها نهاية حرب عالمية، بل لأنها تذكير بأن البشرية لم تتعلم تماما كيف تهزم وحشها الداخلي
تحليل تاريخي بلمسة سسيولوجية و لغة إبداعية.
النساء على مر التاريخ لعبن أدوارا حيوية في المقاومة و البناء، إلا أن أوراق التاريخ ذات وجهين الظاهر منها للرجال و في الخلف توضع أسماء النساء بألوان باهتة تنمحي مع الزمن. و ليس صدفة أن النساء لم يكن لهن الحق في التعلم لأن ذلك سيجعلهم يعدن كتابة التاريخ. و لنا في وثيقة الاستقلال خير دليل. نساء الأرياف و الأوساط الاجتماعية الفقيرة كن يغامرن بحياتهن من أجل مغرب حر، و لكن التاريخ لم يحفظ إلا أسماء من تمت دعوتهن للتوقيع، أي من تعرف أن الكتابة لا تموحها أمطار النسيان مهما كانت عاصفية.
و قد أعجبني قولك أن المقاومين، خصوصا المقاومات في مجتمعنا ذهب نشتغل بهم في المناسبات و نعيد ركنهن في دواليب النسيان إلى فرصة أخرى.
و أقول إنهن كشموع أعياد الميلاد بفتيل لا يضيء إلا ما حوله، نطفئها قبل إغلاق آخر نافذة، و لنعيد إشعالها في السنة الموالية. فلكرة la folklorisation التاريخ.
عزيزتى خديجة, شكرا لهذه الكلمات الباذخة, ومن طرف مثقفة ممتلئة … التاريخ في مجتمعاتنا لم يكن أعمى، بل كان انتقائيا؛ يفتح نوافذه لأسماء الرجال، ويترك النساء في الهامش كهوامش المخطوطات القديمة: موجودات، لكن بلا صوت. فالمرأة لم تكن غائبة عن المقاومة، بل غيِّبت عنها اللغة التي تخلِّد المقاومة. ولهذا لم يكن حرمان النساء من التعلّم فعلا بريئا، بل كان شكلا من أشكال احتكار الذاكرة؛ لأن من يكتب التاريخ لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يختار أيضا من يستحق البقاء. في القرى والأحياء المنسية، كانت النساء النساء يهرّبن الرسائل والزاد, لكن أسماءهن لم تُنقش لأن الحبر كان امتيازا طبقيا قبل أن يكون معرفة. ولهذا بقيت الذاكرة الرسمية تحفظ أسماء من وقعن، لا أسماء من نزفن في الظل حتى يصل الوطن إلى لحظة التوقيع. النساء صنعن الحدث، والرجال امتلكوا أرشيفه.ما أجمل صورة الشموع التي ذكرتيها؛ فالمقاومات عندنا يشبهن فعلا شموع أعياد الميلاد: نشعل أسماءهن للحظة احتفال وطنية قصيرة، نترك الضوء يلامس الوجوه القريبة فقط، ثم نطفئهن قبل أن يفضحن عتمة الذاكرة. وفي السنة الموالية نعيد الطقس نفسه، لا وفاءً لهن، بل حفاظا على تاريخ يحب النساء كزينة رمزية، ويخشى أن يعترف بهن كصانعات حقيقيات للمعنى والوطن.