بقلم زكية لعروسي, باريس
في لحظة سياسية تبدو فيها فرنسا وكأنها تعيش إرهاقا ديمقراطيا عميقا، يعود جان لوك ميلانشون إلى واجهة السباق الرئاسي، لا باعتباره مجرد مرشح جديد لانتخابات 2027، بل بوصفه ظاهرة سياسية تكشف أزمة اليسار الفرنسي أكثر مما تقدم حلا لها. فالرجل الذي استطاع خلال العقد الأخير أن يحتكر لغة الغضب الاجتماعي والاحتجاج الشعبي، بات اليوم -وفق استطلاعات الرأي – ينظر إليه من طرف أغلبية الفرنسيين كـ”عبء” على إمكانية انتصار اليسار، لا كقاطرة لإنقاذه.
هذه المفارقة ليست عابرة. إنها تعبّر عن التحول العميق الذي أصاب السياسة الأوروبية عموما: الزعيم الذي ينجح في تعبئة القواعد الغاضبة لا ينجح بالضرورة في بناء أكثرية وطنية. هنا تكمن المعضلة الأساسية لميلانشون. فالرجل يمتلك كل صفات “الخطيب الثوري”؛ لغة نارية، قدرة استثنائية على الاستقطاب، حضور جماهيري، وكاريزما خطابية قلّ نظيرها في السياسة الفرنسية المعاصرة. لكنه، في الوقت ذاته، أصبح أسير هذه الشخصية ذاتها. لقد تحوّل خطابه، بمرور السنوات، من نقد جذري للنظام النيوليبرالي إلى نوع من الشعبوية اليسارية التي تتغذى على التوتر الدائم. والسياسة حين تصبح قائمة على الصدام المستمر تفقد تدريجيا قدرتها على الإقناع خارج دائرتها العقائدية. وهذا ما يفسر لماذا يظل ميلانشون قويًا داخل “قاعدته”، لكنه عاجز عن اختراق الفئات المترددة أو المعتدلة.
إن الاستطلاع الذي اعتبر أن “عدوانيته” و”خطابه المثير للجدل” يمثلان أبرز نقاط ضعفه ليس مجرد حكم أخلاقي على أسلوبه السياسي؛ بل هو مؤشر فلسفي على تغير مزاج المجتمعات الغربية. فبعد سنوات من الشعبويات الصاخبة – يمينا ويسارا – يبدو أن قطاعات واسعة من الناخبين تبحث اليوم عن الاستقرار النفسي والسياسي أكثر من بحثها عن الثورة الخطابية. والمفارقة الأكثر قسوة أن اليسار الفرنسي، الذي كان تاريخيًا مشروعًا للعدالة الاجتماعية الجامعة، أصبح اليوم منقسما بين يسار احتجاجي يقوده ميلانشون، ويسار إصلاحي يبحث عن إمكانية العودة إلى السلطة عبر خطاب أكثر اعتدالا. لذلك لا يقرأ ترشح ميلانشون فقط بوصفه طموحا شخصيا، بل أيضا كإعلان ضمني عن عجز اليسار عن إنتاج جيل جديد من القيادات القادرة على تجاوز الاستقطاب.

في المقابل، يستفيد اليمين الشعبوي، ممثلا في مارين لوبين وجوردان بارديلا، من هذا التآكل البنيوي داخل معسكر اليسار. فبينما يغرق خصومهم في الحروب الأيديولوجية والرمزية، ينجح اليمين في تقديم نفسه – paradoxalement – كقوة أكثر تماسكا وانضباطا. وهنا تتجلى إحدى المفارقات الكبرى للسياسة الحديثة: التطرف لا ينتصر دائما عبر الراديكالية، بل أحيانا عبر قدرة خصومه على تفكيك أنفسهم بأنفسهم. لكن اختزال ظاهرة ميلانشون في شخصه وحده سيكون خطأ تحليليا. فهو ليس سبب أزمة اليسار بقدر ما هو أحد أعراضها. لقد ظهر في زمن فقدت فيه الأحزاب التقليدية قدرتها على الحلم، وحين انهارت الثقة بالنخب الاشتراكية الكلاسيكية. لذلك منحته قطاعات واسعة من الفرنسيين دور “المنتقم الاجتماعي”. غير أن المنتقم، مهما كان بليغا، لا يستطيع وحده بناء مشروع حكم طويل الأمد.
السؤال الحقيقي الذي تطرحه فرنسا اليوم ليس: هل يستطيع ميلانشون الفوز؟ بل: هل ما زال اليسار الفرنسي قادرا على إنتاج لغة سياسية توحّد بدل أن تستقطب؟ ذلك أن الديمقراطيات لا تسقط فقط حين ينتصر المتطرفون، بل أيضًا حين تعجز القوى التاريخية عن تجديد نفسها. وفي هذا المعنى، قد تكون انتخابات 2027 أقل معركة بين مرشحين، وأكثر استفتاء فلسفيا على مستقبل السياسة الفرنسية نفسها: هل ستظل الجمهورية الخامسة أسيرة شخصيات صدامية تصنع الضجيج، أم ستنجح في استعادة فكرة السياسة باعتبارها فنّا لبناء المشترك الوطني لا لإدارة الانقسام؟
📲 Partager sur WhatsApp