بقلم زكية لعروسي, باريس
في الجغرافيا الباردة، لا تقاس الحروب بعدد الدبّابات وحدها، بل بعدد الأكاذيب التي تستطيع الإمبراطوريات أن تُقنع بها العالم قبل أن يتسرّب الدم من بين أصابع الخرائط. وهكذا، بينما كانت المدافع الروسية تعزف موسيقى الخراب على تخوم أوكرانيا، خرج فلاديمير بوتين من ظلال الكرملين كقيصر عجوز يتأمل إمبراطوريته المتعبة، ليقول إنّه يفضّل صديقه القديم جيرار شرودير وسيطا للسلام مع أوروبا.
يا للمفارقة. كأنّ التاريخ الروسي لا يعرف التراجيديا إلا متنكّرة في هيئة صداقات شخصية. في الحكايات الشعبية التي كانت ترويها “الأم خيرة” قرب مواقد الطين في ليالي الشتاء، كان هناك مثل قديم تقول فيه: “الذيب ما يهرول غي هاكا”. وهو مثل لا يتحدث عن الذئب بقدر ما يتحدث عن النوايا المختبئة تحت الفرو. بوتين لا يذكر شرودير لأنّه يحنّ إلى زمن الصداقة، بل لأنّ الحرب نفسها دخلت مرحلة تبحث فيها موسكو عن أقنعة جديدة. فالمدافع حين تُتعب الجغرافيا، تبدأ الدبلوماسية في ارتداء معاطف الذاكرة. شرودير ليس مجرد مستشار ألماني سابق؛ إنّه آخر شبح من زمن أوروبا التي كانت تعتقد أنّ الغاز الروسي يمكن أن يكون بديلا عن التاريخ. لقد مثّل الرجل، لسنوات، الجسر السري بين الكرملين والعقل الألماني الصناعي؛ بين برودة موسكو وحسابات برلين. ولذلك فإن استدعاءه اليوم ليس اقتراحا سياسيا بقدر ما هو استحضار لأوروبا القديمة: أوروبا المصالح، قبل أن تتحول أوكرانيا إلى جرح أخلاقي مفتوح. لكن الحرب لا تعترف بالحنين.

في اللحظة نفسها التي كان الكرملين يتحدث فيها عن التفاوض، كانت الجبهة تشتعل من جديد. القذائف الروسية لم تتوقف، والهجمات استمرت، وهدنة الأيام الثلاثة بدت كأنها صلاة تتلى فوق مقبرة مفتوحة. هنا تتجلى العبقرية السوداء للحرب الروسية. روسيا لا تدير الحرب كما يدير الجنرالات المعارك التقليدية، بل كما يدير لاعب الشطرنج الروسي مباراة طويلة مع الزمن. كل هدنة فخّ. كل تصريح ضباب. وكل مبادرة سلام مجرد دبّ سيبيري يخبّئ مخالبه تحت الثلج. ولذلك لم يكن غريبا أن ترى كييف في تصريحات بوتين امتدادا لما تسميه “الحرب الهجينة”. ففي العقيدة الروسية الحديثة، لا يوجد فرقٌ حقيقي بين .الصاروخ والإشاعة، بين الدبابة والمفاوضات، بين الغاز الطبيعي والخطاب الإعلامي. كلها أدوات ضمن أوركسترا القوة الكبرى
.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يعرف ذلك جيدا. فالرجل الذي خرج من عالم الكوميديا إلى قلب المأساة الأوروبية يدرك أنّ أخطر ما في الكرملين ليس القصف وحده، بل القدرة على إنهاك العالم نفسيا وأخلاقيا حتى يفقد اهتمامه بالحرب. في الأساطير السلافية القديمة، كانت هناك شخصية تُدعى”كوشيي الخالد”، وهو طاغية لا يموت لأن روحه مخبأة داخل إبرة، والإبرة داخل بيضة، والبيضة داخل طائر، والطائر داخل قلعة بعيدة. وهكذا تبدو روسيا البوتينية اليوم: قوة لا تعتمد فقط على الجيش، بل على طبقات هائلة من الرموز والتحالفات والطاقة والدعاية والتاريخ والخوف النووي.
أما أوروبا، فتقف كما لو أنها وريثة الإمبراطورية الرومانية المتعبة؛ ثرية، متحضرة، لكنها مذعورة من الشتاء ومن فاتورة الغاز ومن احتمالات الحرب الطويلة. ولهذا يبدو اسم شرودر حساسا للغاية في برلين. إنه يذكّر الألمان بعصر كامل راهنت فيه النخب الأوروبية على “ترويض روسيا بالتجارة”، قبل أن تكتشف أنّ الدببة لا تتحول إلى غزلان مهما ارتدت من ربطات العنق. الأم خيرة كانت تقول أيضا: “اللي يربّي الذئب، لا يشتكي إذا كلال القطيع”. وهو مثل يبدو اليوم كأنه كتب خصّيصا للقارة الأوروبية.
لقد غذّت أوروبا الاقتصاد الروسي لعقود، وفتحت له الأسواق، واعتقدت أنّ المصالح المشتركة ستجعل الحرب مستحيلة.
لكنّ بوتين كان يقرأ التاريخ بطريقة مختلفة. فالرجل الخارج من عباءة الـك-ب-ج لم يرَ في انهيار الاتحاد السوفيايتي مجرد حدث سياسي، بل إذلالا حضاريا يجب الثأر له، ولو بإعادة رسم حدود الدم. من هنا يمكن فهم جملته الغامضة حين قال إن الحرب “تقترب من نهايتها”. أي نهاية يقصد؟ نهاية أوكرانيا كدولة مستقلة؟ أم نهاية قدرة الغرب على الاستمرار؟ أم نهاية العالم القديم الذي نشأ بعد سقوط جدار برلين؟
في الحروب الكبرى، الكلمات لا تقال بمعانيها المباشرة. إنها تقال كما تلقى التعاويذ في المعابد القديمة. ولهذا فإنّ أخطر ما في التصريح الروسي ليس اسم شرودر، بل ما يختبئ خلفه: إشارة إلى أنّ موسكو بدأت تختبر تعب الغرب. تختبر هشاشة الذاكرة الأوروبية. وتختبر ما إذا كانت القارة العجوز ما تزال قادرة على تحمّل حرب طويلة تستنزف المال والأعصاب واليقين. لكنّ المأساة الأعمق تكمن في أنّ هذه الحرب لم تعد حرب حدود فقط، بل حرب تصوّرات عن العالم نفسه. روسيا تريد عالما تُحكم فيه الجغرافيا بالقوة. وأوروبا تريد عالما تُحكم فيه القوة بالقانون. وبين الفكرتين، تُدفن مدن أوكرانية كاملة تحت الركام.
لا يبدو المشهد كصراع سياسي فحسب، بل كأسطورة كونية بين دبّ جريح يحاول استعادة غابته القديمة، وقارة تخشى أن تستيقظ ذات صباح لتكتشف أنّ القرن الحادي والعشرين ليس سوى نسخة أكثر أناقة من القرون الوسطى. وحين ينظر المؤرخون يوما إلى هذه الحرب، ربما لن يتذكروا عدد الصواريخ بقدر ما سيتذكرون تلك اللحظة الغريبة التي حاول فيها الكرملين أن يقدّم صديقا قديما كرسول سلام، بينما كانت المدافع لا تزال تتكلم.
📲 Partager sur WhatsApp