الكارثة حين يقصى المثقف باسم الثقافة

بقلم زكية لعروسي, باريس

حين قال مالك بن نبي إنّ سقوط الحضارة لا يحدث دائما بالرصاص، بل يبدأ من انهيار الفكرة وفساد القيم، كان يتحدث عن قانون حضاري يتكرر كلما فقد المجتمع احترامه لمن يصنعون وعيه ويحرسون إنسانيته. وإذا كان احتقار العالم والطبيب جريمة صامتة بحق المستقبل، فإنّ محاربة الفكر ليست أقل خطرا؛ لأنها تعني خنق الذاكرة الجماعية وتحويل الغربة من مساحة بناء إلى مساحة شتات وانغلاق. إنّ الحضارات لا تهزم فقط حين تقصف مدنها، بل حين يدفع أصحاب الفكر إلى الهامش، ويستبدل صوت المعرفة بضجيج التفاهة، ويختزل الإنسان في صورة استهلاكية بلا عمق ولا رسالة.

العالم لا يلقّن المعلومات فقط، بل يزرع في الإنسان القدرة على التفكير، ويصوغ الضمير النقدي للأجيال. والطبيب ليس موظفا في مؤسسة صحية، بل حارس الكرامة الإنسانية في لحظات الضعف والخوف والألم. أمّا المثقف، فهو ذاكرة المجتمع وعقله الحيّ؛ يربط الإنسان بتاريخه، ويمنحه القدرة على فهم ذاته والعالم. المثقف الحقيقي لا يقتصر دوره على كتابة الكتب ، بل هو من يفتح النوافذ المغلقة، ويقاوم الانغلاق الفكري، ويمنع المجتمع من التحول إلى كتلة من الاستجابات الغريزية والمفاوضات الضيقة. ولهذا فإنّ إهانة هؤلاء، أو تحويلهم إلى كائنات هامشية هي عملية تجريد للمجتمع من أدوات بقائه الحضاري. المهجر لا يحتاج إلى شتات آخر. يكفيه ما يحمله أبناؤه من اغتراب اللغة والهوية والذاكرة. لكن الكارثة تبدأ حين تتحول الثقافة نفسها إلى أداة إقصاء، تفصَّل وفق مقاسات ضيقة، أو تحتكر جهات أو أشخاص ترى نفسها وصية على الهوية.

عجيب أن تفهم الثقافة في إطارها الضيق والمحدود، وكأنها ناد مغلق لا يتسع إلا لمن يشبهون القائمين عليه. الأخطر من ذلك أن يحارب المثقف بثقافة لا تمثل شرائح الجالية كلها، ولا تعكس تنوع تجارب أبنائها، ولا تعترف بأنّ الهوية الحية هي هوية قادرة على الحوار والتطور والانفتاح. الثقافة التي تقصي أبناء المهجر المختلفين، أو تفرض عليهم نموذجا أحاديا ، تتحول من جسر إنقاذ إلى جدار عزلة. وعندما يشعر المثقف في المهجر أنّ صوته غير مرغوب فيه، فإننا لا نخسر فردا فقط، بل نخسر قدرة الجالية على إنتاج وعي جديد يناسب واقعها المعقّد. الثقافة لا تدرَّس بمعزل عن أبنائها في المهجر، ولا تبنى بمعايير ضيقة تقصي نصف التجربة الإنسانية. فالمهاجر ليس نسخة باهتة من الوطن، بل امتداد حيّ له، يحمل تناقضاته وأسئلته وأحلامه. وأي مشروع ثقافي لا يستوعب ذلك محكوم عليه بالتحول إلى خطاب متحفي بارد، منفصل عن الحياة.

السقوط الحضاري لا يبدأ بالانفجار الكبير، بل بالتآكل البطيء. يبدأ حين يصبح صاحب المعرفة موضع سخرية، وصاحب الضجيج نجما. حين يقاس الإنسان بعدد المشاهدات لا بعمق أثره، وحين تختزل القيمة في القدرة على الاستعراض لا في القدرة على البناء. تبدأ المأساة بالتقليل من المعرفة، ثم تتطور إلى التشكيك في دور أهلها. بعدها يصبح السطح هو المعيار، وتصبح التفاهة هي تقود الذوق العام وتعيد تشكيل الوعي الجماعي. في المهجر، يأخذ هذا الانهيار شكلا أكثر قسوة: يتم تهميش الأصوات الثقافية لصالح دوائر مغلقة تخشى النقد، أو تستبدل الثقافة الحقيقية بمناسبات استعراضية فاقدة للروح. وهنا تتضاعف الخسارة: نخسر الإنسان، ونخسر صورة الوطن في أبنائه.

المثقف الحقيقي لا يقدّم أجوبة جاهزة بقدر ما يطرح أسئلة مؤلمة. هناك من يفضّل الواجهة على العمق، والشعار على الفكرة، . وهناك اقتصاد قصير النظر يرى الإنفاق على الثقافة والتعليم والبحث ليس ضرورة. ثم تأتي ثقافة الاستهلاك الإعلامي لتمنح الشهرة لمن يثير الانفعال السريع، لا لمن يبني وعيا طويل الأمد. وفي المهجر تحديدا، تظهر أزمة أخرى: الخوف من الاختلاف. فيطلب من المثقف أن يكون نسخة مطابقة لصورة مسبقة عن الهوية، لا إنسانا يفكر ويجتهد وينتقد. وهكذا تفقد الثقافة مساحة حرية. لكن الأخطر هو ما يحدث على المدى البعيد: تآكل الهوية الثقافية، فقدان القدرة على الابتكار، وتحول المجتمع إلى كيان استهلاكي يعيش على ما ينتجه الآخرون فكريا وعلميا. حضارة بلا معرفة تصبح هيكلا فارغا؛ جميلة من الخارج، لكنها خاوية من الداخل.

فلا لثقافة تحتكر الهوية، ولا مشاريع تقصي أبناء المهجر المختلفين فكريا أو لغويا أو اجتماعيا. الثقافة الحقيقية لا تخاف التنوع، بل تعتبره مصدر غناها. المثقف ضمير حيّ. يجب أن تحمى حرية التفكير والإبداع من هيمنة الفئات المغلقة. التعليم الحقيقي والتجربة المعمقة يعلّمان الإنسان كيف يفكر، لا ماذا يكرّر. في الإعلام والأدب والمناسبات العامة، يجب أن يعود العلماء والأطباء والمعلمون والمثقفون إلى موقعهم الرمزي الطبيعي، بوصفهم صناع المستقبل لا زينة المناسبات. الثقافة هي الشرط الأول لأي نهوض حقيقي. حين تنتعش القراءة النقدية، وتصبح المؤسسات التعليمية فضاءات حوار لا مصانع درجات، وحين يشعر المثقف أنّ المجتمع يصغي إليه، تبدأ المناعة الحضارية بالتشكل. الثقافة الحرة لا تصنع الانقسام، بل تمنع الانهيار. وهي وحدها القادرة على تحويل المهجر من مساحة ضياع إلى مساحة إنتاج إنساني ومعرفي وهوياتي.

لا يجب أن يبنى مجتمع في المهجر يحتفي بالتافه ثم يشتكي من الانحدار.أن يحارب المثقف بثقافة مفصلة حسب المقاس، و أن يصبح سجنا لهويات ضيقة تخشى الاختلاف. إذا أردنا أن نبني حضارة، فعلينا أن نحمي الذين يزرعون الإنسان في العقول والقلوب: العالم، والطبيب، والمثقف. فهؤلاء ليسوا زينة المجتمع بل نسيجه الأول, وشرط بقائه.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الكارثة حين يقصى المثقف باسم الثقافة

  1. مرافعة في الصميم. فقط ليس المشكل يخص الخارج، بل هو وضع عام مؤسس على مفهوم خاص للثقافي وو ضعه الاعتباري في الخارج و الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *