بقلم زكية لعروسي, باريس
ما كاد العالم يعيد الكراسي إلى المقاهي، ويفتح النوافذ التي أغلقت طويلا خوفا من أنفاس مجهولة، حتى ظهر هذا الإسم القادم من الغابات الباردة والجرذان البرية مثل نذير أسود يخرج من معطف التاريخ: الهانتا فيروس. إسم يبدو كأنه آلة موسيقية روسية حزينة، أو مقطع ضائع من رواية كتبت تحت ضوء شمعة مرتجفة في مدينة يغمرها الثلج والجوع والهلع. لكن العالم الذي عاش كابوس كورونا لم يعد يقرأ الأخبار الصحية ببراءة. صار كلّ سعال يشبه جرس إنذار، وكلّ مؤتمر صحافي لمنظمة الصحة العالمية يبدو كأنه باب يفتح على احتمالات العزل والخراب الاقتصادي والوحدة الطويلة داخل البيوت.
في الساعات الأخيرة، كانت الأخبار تتدفق مثل ماء بارد داخل عروق القارة الأوروبية: امرأة فرنسية في حالة حرجة داخل الإنعاش، عشرات الحالات المعزولة، غرف ضغط سلبي، حجر صحي قد يمتد حتى الحادي والعشرين من يونيو، اجتماعات وزارية طارئة، وتحذيرات من احتمال ظهور حالات جديدة بسبب فترة الحضانة الطويلة للفيروس. كل شيء يعيد إلى الذاكرة ذلك الرعب القديم الذي حسب البشر أنهم دفنوه مع الكمامات وأرقام الوفيات ونشرات المساء السوداء. حتى لغة الأطباء نفسها تبدو مألوفة بشكل مرعب: “الخطر ضعيف”…“لا داعي للهلع”…“الوضع تحت السيطرة”…وهي الجمل نفسها التي أصبحت منذ كورونا تخيف الناس أكثر مما تطمئنهم، لأن البشرية اكتشفت أن الكوارث الكبرى تبدأ دائما بجملة مطمئنة.

ومع ذلك، فإن العلماء يكررون بإلحاح: هذا ليس كورونا. الهانتا فيروس لا ينتشر بالسهولة نفسها، ولا يملك حتى الآن تلك القدرة الكاسحة على اجتياح المجتمعات. إنه فيروس أكثر انتقائية، أشبه بقنّاص غامض لا بإعصار عالمي. لكن المشكلة ليست في الفيروس وحده، بل في ذاكرة البشر المنهكة. لقد خرج الإنسان الحديث من الجائحة السابقة كمن خرج من حرب طويلة ولم يتعاف نفسيا بعد. صار العالم يعيش داخل قلق دائم، كأن الحضارة كلها تنام بعين مفتوحة على أخبار المختبرات والأوبئة والطفرات والفيروسات القادمة من الغابات أو الجليد أو الحيوانات البرية. لم تعد البشرية تخاف الحرب فقط، بل تخاف الهواء نفسه.
في مكان ما قرب أوشوايا، عند أطراف الأرض المتجمدة في الأرجنتين، يقال إن البداية حدثت هناك، قرب الظلال الرطبة للبراري الجنوبية. جرذ صغير بذيل طويل، لا يعرف السياسة ولا الاقتصاد ولا نظريات المؤامرة، ربما حمل داخل جسده الصغير الشرارة التي أرعبت القارات. هكذا دائماً تبدو الحضارة هشّة بشكل مهين؛ إمبراطوريات كاملة قد ترتجف بسبب مخلوق لا يتجاوز حجمه كفّ طفل. لكن المأساة الأعمق ليست بيولوجية فقط، بل وجودية أيضا. لقد صار الإنسان المعاصر يعيش تحت حصار غير مرئي: فيروسات، حروب، عزلة رقمية، خوف اقتصادي، وانهيار بطيء لفكرة “العالم الآمن”. ولهذا فإن مجرد سماع اسم مرض جديد يكفي كي تنهض أشباح الإغلاق من قبورها.

هل نحن أمام نسخة جديدة من الكورونا؟ السؤال يتردد الآن في المقاهي والمطارات وداخل هواتف الناس مثل همس جماعيّ خائف. الخبراء يقولون لا. ومنظمة الصحة العالمية تؤكد أن خطر الوباء العالمي ضعيف. لكن البشر لم يعودوا يثقون بسهولة في المستقبل، لأن المستقبل نفسه صار يبدو كممرّ معتم مليء بالأبواب المغلقة. الأكثر غرابة أن العالم، بعد كل هذه السنوات من التقدم العلمي، يبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى. لدينا أقمار صناعية ترى المجرات البعيدة، لكننا ما زلنا نرتبك أمام فيروس مجهريّ يختبئ في رئة إنسان. لدينا ذكاء اصطناعي يكتب الشعر ويرسم اللوحات، لكن مستشفى واحدا قد يدخل حالة استنفار بسبب مريض مجهول العدوى.

وهكذا يعود الإنسان إلى خوفه البدائي الأول: الخوف من الجسد. من الاقتراب. من المصافحة. من النفس الخارج من فم الآخر. حتى المؤامرات عادت بسرعة، كأنها فئران خرجت من المجاري مع أول رائحة هلع. المنصات الرقمية امتلأت مجددا بالهذيانات نفسها التي عرفها العالم زمن كورونا: مختبرات سرية، مؤامرات كونية، هندسة بيولوجية، وحروب خفية بين الدول.
وحين يضعف اليقين، تزدهر الأساطير.
ومع ذلك، فإن أخطر ما في الأمر ليس احتمال الإغلاق الشامل، بل اعتياد البشرية على العيش تحت التهديد. أن يصبح القلق جزءا من الروتين اليومي. أن يتحول الإنسان إلى كائنٍ يراقب الأخبار الصحية كما كان القدماء يراقبون السماء خوفا من غضب الآلهة. ربما لن يغلق العالم أبوابه هذه المرة. ربما لن نعود إلى الشرفات الصامتة والمدن الفارغة وصفارات سيارات الإسعاف التي تشق الليل مثل ذئاب معدنية. لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن البشرية فقدت شيئا لن تستعيده بسهولة: طمأنينتها القديمة. لقد دخلنا عصرا يبدو فيه الإنسان، رغم كل جبروته العلمي، كائنا صغيرا يسير فوق قشرة رقيقة جدا من الأمان، فيما الطبيعة، في مكان ما من هذا الكوكب، ما تزال تخبئ داخل العتمة مفاجآتها المرعبة التالية.
📲 Partager sur WhatsApp
كابوس آخر سيزيد من ألم الإنسانية بعد كل ما خلفه قناة هرمز.
تشخيص رائع لكابوس يهدد الإنسانية.