بقلم زكية لعروسي, باريس
في القارة التي علّقت على عنق العالم مصابيح التنوير، وعلّمت البحّارة كيف يروّضون الخرائط، يعود الآن شبح قديم يتسلّل من أقبية التاريخ كذئب يرتدي بدلة ديمقراطية. أوروبا، التي صدّرت إلى الأرض إعلان حقوق الإنسان، تبدو اليوم كإمبراطورية عجوز تنظر إلى مرآتها فلا ترى إلا تجاعيد الخوف. الخوف من الغريب، من المهاجر، من اللغة الأخرى، من الجلد المختلف، من الأذان حين يعبر فوق الأسطح الحجرية لكنائس القرون الوسطى، ومن طفل أسمر قد يصبح بعد ثلاثين عاما نائبا في البرلمان أو شاعرا يكتب بلغة بودلير.
لقد خرجت الحشود في لندن، وفي وجوهها بقايا حروب صليبية لم تمت تماما، بل غيّرت ملابسها فقط. كانوا يهتفون ضد “الاستبدال”، ضد “الغزو”، ضد “الآخر”، كما لو أن أوروبا نفسها لم تُبن إلا من الآخرين. أيّ مفارقة هذه؟ فالقارة العجوز ليست ابنة الدم النقي، بل ابنة الامتزاج العظيم. الإغريق أخذوا علومهم من مصر وفينيقيا، والرومان حملوا آلهة الشرق معهم إلى المعابد، والأندلس سكبت في شرايين أوروبا فلسفة ابن رشد وطبّ الزهراوي وجبر الخوارزمي. حتى نهضتها الحديثة خرجت من رحم الترجمة العربية لأرسطو وأفلاطون.

أوروبا التي تخاف الهجرة اليوم، هي نفسها قارة مهاجرة عبر التاريخ؛ غزت العالم ونهبت قاراته واستجلبت العمال من مستعمراتها كي تعيد بناء مصانعها بعد الحربين العالميتين. من دون المهاجرين، من كان سيقود حافلات لندن؟ من كان سيكنس شوارع باريس؟ من كان سيحمل الإسمنت في برلين؟ ومن كان سيعتني بعجائز القارة التي تشيخ أسرع من ساعات الكنائس؟ لكن الحقيقة الأكثر رعبا ليست في السياسة، بل في النفس البشرية نفسها. العنصرية غريزة طالما حاولت الحضارات تهذيبها آلاف السنين ولم تنجح تماما. الإنسان القديم كان يخاف القبيلة الأخرى لأنها قد تسلبه الماء والقمح والنساء. ومع تعقّد الحضارات، تغيّرت الأسماء وبقي الخوف نفسه: البربري، الوثني، الأسود، اليهودي، المسلم، المهاجر. إنها القشرة نفسها تتبدّل حول النواة ذاتها.
أفلاطون حلم بمدينة فاضلة يحكمها الحكماء، لكن أثينا نفسها كانت تحتقر العبيد. أرسطو، معلّم المنطق، اعتبر بعض البشر “عبيدا بالطبيعة”. والرومان الذين شيّدوا القوانين كانوا يلقون الأسرى للأسود كي تتسلّى الجماهير. حتى الديانات، التي نزلت لتقول إن البشر سواء، لم تستطع دائما أن تنتصر على وحش الهوية. المسيحية رفعت شعار المحبة ثم مشت جيوشها إلى القدس بالنار والصلبان. والإسلام جاء بقوله: “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”، لكن الدول الإسلامية نفسها عرفت عصبيات الدم واللون والسلالة. واليهودية التي ذاقت مرارة الاضطهاد، ولد داخل بعض تياراتها خوف من الآخر أيضا. كأن الأديان كانت أنهارا صافية تصبّ في أوعية بشرية متشققة، فتتلوّث المياه قبل أن تصل.
نحن لا نعيش “صدام حضارات” كما تخيّل هنتنغتون، بل نعيش نفاق الحضارات. أوروبا تحتاج المهاجرين اقتصاديا، لكنها تخافهم ثقافيا. تحتاج أيديهم في المصانع والمستشفيات، لكنها ترتجف حين ترتفع أعدادهم في الإحصاءات. تفتح لهم الحدود حين تحتاج العمال، ثم تغلقها حين يحتاجون الكرامة. إنها علاقة حبّ مذعور؛ حضارة تستدعي الآخر إلى مطبخها لكنها لا تريده في غرفة الجلوس.
السياسيون يعرفون هذه الحقيقة جيّدا. لذلك يدفنون سؤال العرق تحت سجادة اللغة الدبلوماسية. يتحدثون عن “الاندماج” وهم يقصدون الطاعة، وعن “القيم الأوروبية” وهم أحيانا يقصدون الامتثال الثقافي، وعن “الأمن” بينما تتخفّى خلف الكلمة مخاوف اللون والدين والإسم والملامح. إنهم يخشون الاعتراف بأن العنصرية لم تمت، بل أصبحت أكثر أناقة. لم تعد ترتدي خوذة النازي، بل ربطة عنق وشعار حزب وانتخابات. ومع ذلك، ليست أوروبا وحدها في القفص. العالم كله يعود إلى قبائله الأولى. أمريكا تنقسم حول المهاجرين، الهند حول الدين، الشرق الأوسط حول الطائفة، إفريقيا حول الإثنية. كأن البشرية، بعد كل هذا التقدّم الرقمي، ما زالت تحمل في أعماقها طبول الكهف الأول. لكن وسط هذا الظلام، يبقى السؤال الأجمل: هل الإنسان محكوم بغريزته؟

التراث العربي يجيبنا بصورة أكثر شاعرية. المتصوفة قالوا إن النفس “أمّارة”، لكنها قابلة للترويض بالنور. ابن عربي رأى أن قلب الإنسان يمكن أن يصير “مرعى لغزلان وديرا لرهبان وكعبة لطائف”. أما الرواقيون الإغريق، من زينون إلى ماركوس أوريليوس، فحلموا بأخوة كونية تجعل البشر مواطنين في مدينة واحدة اسمها العالم. وربما هنا تكمن المعركة الحقيقية: ليست بين الشرق والغرب، ولا بين المسلم والمسيحي، ولا بين الأبيض والأسمر، بل بين الإنسان الأعلى في داخلنا والذئب القديم المختبئ تحت الجلد.
أوروبا اليوم تقف عند مرآة مصيرية. إما أن تتذكّر أنها حضارة بنيت من الاختلاط والترجمة والهجرة، أو تتحول إلى قلعة عجوز تخاف العالم حتى تموت اختناقا بداخل أسوارها. فالحضارات لا تسقط حين يدخلها الغرباء، بل حين تفقد قدرتها على تحويل الغرباء إلى جزء من حلمها. ربما كان الشاعر الإغريقي هوميروس أكثر حكمة من السياسيين المعاصرين، حين جعل أوديسيوس يتيه سنوات طويلة قبل أن يعود إلى وطنه. كأن البشرية كلها خلقت مهاجرة، تبحث دائما عن بيت لا يسأل فيه الإنسان: من أيّ عرق أنت؟ بل: أيّ قلب تحمل؟
📲 Partager sur WhatsApp
انها تخاف من هذا الكائن الذي اعتبرته ” غيرا” و” غريبا”. هذا الذي تحررت من المانيا على جثته، وبنت الطرق والعمارات والصناعات على سواعده، ترى فيه الآن مهدد للحضارة كما تتمثلها هي لنفسها وليس للغير.
ما جعل ما اتبجحت به من قيم ، ينهار على اقدام احفاد المستعمر في الساحات العمومية…
والمفارقة المؤلمة أن أوروبا التي علّمت العالم معنى الحرية، تجد نفسها اليوم ممزقة بين قيمها ومخاوفها. فهي تحتاج إلى اليد العاملة القادمة من الجنوب، لكنها تخشى أن يتحوّل الجنوب إلى جزء من روحها. تريد عقول المهاجرين في مختبراتها ومستشفياتها، لكنها ترتبك حين تسمع أسماءهم أو ترى أبناءهم يطالبون بحقّهم الكامل في الانتماء