ماذا ندخل لمعدتنا؟ مرثية بطن خائفة

بقلم زكية لعروسي, باريس

في زمن صار فيه الخبز نفسه يعتذر للفقير قبل أن يدخل فمه، لم تعد المائدة مكانا للأكل، بل محكمة صامتة تُحاكم أجسادنا ببطء. الأرزُّ الذي كان في ذاكرة الأمهات بياضا يشبه الطمأنينة، صار يحمل في حباته ظلال مبيدات لا تعرف الرحمة.
الشاي الذي كان جدّنا يشربه في المساء كأنّه صلاة خضراء ضد تعب العالم، صار يُختبر في المختبرات أكثر مما يُختبر في الذائقة. أما التوابل، تلك التي تُعطر القدور وتُشبه أسواق مراكش القديمة، فقد تحولت إلى ملفات كيميائية تتنكر في هيئة فلفل وكمون وقرفة.

العالم لم يعد يأكل الطعام… بل يأكل الخوف. وحين كشفت التقارير الأوروبية وجود مبيدات محرّمة داخل الأرز والشاي والتوابل القادمة من وراء البحار، لم يكن الخبر مجرد فضيحة غذائية؛ كان اعترافا متأخرا بأن الإنسان الحديث يعيش داخل معمل ضخم، وأن الفقراء هم فئران التجارب الأبدية في مختبر الرأسمالية المتوحشة. الغنيّ يشتري “العضوي” كما يشتري ضميره، بينما الفقير يقف أمام الخضر يتأملها كما يتأمل مريض صيدلية لا يملك ثمن دوائها. هنا يعود المثل المغربي كصفعة فلسفية عظيمة: “لا رخا على مسكين.” حتى الموت لم يعد مجانيا للفقراء، وحتى المرض صار طبقيا.

في الماضي، كان الإنسان يخاف المجاعة. اليوم، يخاف ما يأكله كي لا يموت ممتلئ المعدة. جدّاتنا لم يكنَّ يعرفن أسماء المبيدات، لكنهن كن يعرفن رائحة الأرض. كان القمح يُشمّ قبل أن يؤكل، وكانت الطماطم تُقطع فتسيل منها الشمس، لا المعامل الكيميائية. أما نحن، فقد صرنا نعيش عصرا يحتاج فيه الإنسان إلى مهندس وكيميائي وطبيب أورام كي يشتري حفنة نعناع. إلى أين نحن من هذا؟ لقد دخل الشكّ إلى أعمق نقطة في الحضارة: إلى الفم. وحين يشكّ الإنسان في طعامه، يبدأ بالشك في الحياة نفسها. ولهذا ربما ارتفعت الأمراض، ليس فقط بسبب السموم، بل بسبب الرعب أيضا. الخوف نفسه مادة سامة. القلق الطويل يأكل الأعصاب كما تأكل المبيدات خلايا الجسد. نحن نعيش زمنا صار فيه الإنسان يقرأ مكونات علبة البسكويت كما يقرأ سجين حكم إعدامه.

وهنا تظهر المأساة الحديثة: لقد أصبحت الحيطة مرضا آخر. الإنسان الذي يهرب من السرطان قد يسقط في الوسواس. يفحص الطعام، يغسل الفاكهة عشر مرات، يقرأ الدراسات ليلا، يراقب الأخبار الصحية كما يراقب العرافون حركة النجوم. ثم يكتشف متأخرا أن قلبه صار مختبرا للخوف، وأن الوسواس نفسه بات وباء عصريا أكثر فتكا من بعض السموم. فهل نؤمن بالقضاء والقدر إذن؟ أم نقاوم؟ ذلك السؤال الذي مزق الفلاسفة والمتصوفة والأنبياء منذ بدء الخليقة. هناك من يقول: “الأعمار بيد الله.” وهذا صحيح، لكن الله لم يخلق العقل عبثا. الحيطة ليست اعتراضا على القدر، بل جزء من فهمه. غير أن الإنسان حين يبالغ في محاولة النجاة، يتحول إلى كائن مذعور ينسى أن يعيش.

المأساة ليست فقط في المبيدات، بل في الفكرة التي تقف خلفها: أن العالم الحديث صار يقيس قيمة الطعام بسرعة الإنتاج لا ببركته. لقد اختفى الفلاح وحلّت مكانه الشركات العملاقة. الأرض لم تعد أمّا، بل مصنعا. والبذور لم تعد ذاكرة، بل براءات اختراع. حتى الفقراء تغيّرت علاقتهم بالأكل. قديما كان الفقير يأكل قليلا لكنه يعرف مصدر طعامه. اليوم يأكل كثيرا من الأشياء المجهولة، أشياء لامعة ورخيصة ومعلبة ومشبعة بالسكر والمواد الحافظة والسموم البطيئة. الفقر الحديث ليس نقص الطعام… بل رداءة ما يؤكل. وهل سنصل يوما إلى اختراع نظارات تفحص الخضر والتوابل؟ ربما. وربما سيأتي عصر يدخل فيه الإنسان إلى السوق مرتديا أجهزة ذكية تكشف نسب السموم كما تكشف الساعات عدد ضربات القلب.

لكن المرعب أن التكنولوجيا التي ستكشف السموم هي نفسها ابنة الحضارة التي صنعتها. إنها الدائرة الجهنمية للحداثة. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننتهي إلى اليأس. فالإنسان عاش دائما بين الخطر والأمل. أكل من أرض ضربها الجراد، وشرب من آبار موبوءة، ونجا أحيانا بالمعجزة وأحيانا بالمناعة وأحيانا بالمحبة. لكن الفرق أن الإنسان القديم كان يعرف عدوه. أما نحن، فعدونا شفاف… يدخل أجسادنا باسم النكهة والجمال والعرض التجاري. لقد صار الموت يرتدي قفازات بيضاء. وربما لهذا يبدو عالمنا متعبا إلى هذا الحد. فالإنسان لا يموت فقط من السموم، بل من فقدان الطمأنينة. حين يتحول الطعام إلى مصدر ريبة، والحياة إلى سلسلة تحذيرات، يصبح الوجود نفسه عبئا ثقيلا.إلا أنّه، يبقى في داخلنا شيء يقاوم. شيء يشبه تلك المرأة المغربية العجوز التي كانت تقول وهي تغسل الخضر بالماء والملح: “الله يجعل البركة.” لم تكن تملك مختبرا، ولا شهادات علمية، لكنها كانت تملك حكمة خفية: أن الإنسان لا يعيش فقط بما يأكل… بل أيضا بما يؤمن به.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “ماذا ندخل لمعدتنا؟ مرثية بطن خائفة

  1. من تبعات عصر التقنية ، كل شيء في الطبيعة، أمسى مضبوطا بلغة القياس والحساب، وخاصة مع الثورة البيولوجية التي غيرت مفهوم الطبيعة. وكان أخطر المخاطر هو التدخل في البنية الجينية للكاءن وإخضاعه لعين لغة التقنية. ما اصاب صحة الإنسان في مقال….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *