المغرب “ملاذا للفارين” في المخيال الفرنسي

بقلم زكية لعروسي, باريس

في كل مرة تنشر فيها وسيلة إعلام أوروبية تقريرًا أمنيًا يتحدث عن “دول ملاذ” للفارين من العدالة، يعود المغرب ليجد نفسه داخل تلك المنطقة الرمادية التي يختلط فيها الأمني بالسياسي، والواقعي بالرمزي، والوقائع بالصور النمطية القديمة. آخر هذه التقارير ما كشفته إذاعة RTL الفرنسية، استنادا إلى مذكرة صادرة عن المكتب المركزي لمكافحة الجريمة المنظمة بفرنسا، تشير إلى أن المغرب والجزائر يتصدران قائمة البلدان التي يلجأ إليها بعض المطلوبين للقضاء الفرنسي. قد تبدو المعلومة صادمة للرأي العام. لكن القراءة الجادة لا تبدأ بالصدمة، بل بتفكيك السؤال نفسه: لماذا يختار بعض الفارين المغرب أصلا؟ وهل يعني ذلك أن الدولة المغربية “تحتضن” الجريمة؟ أم أن الأمر أعقد بكثير مما توحي به العناوين المثيرة؟

أول ما يجب قوله بوضوح: المغرب ليس جزيرة معزولة في المحيط الهادئ، بل نقطة استراتيجية شديدة التعقيد عند تقاطع أوروبا وإفريقيا والمتوسط. هذه الجغرافيا جعلت المملكة، تاريخيًا، فضاء عبور وتجارة وهجرة وتداخل بشري كثيف. قرب المغرب من أوروبا – أقل من 15 كيلومترا عن السواحل الإسبانية – جعله طبيعيا ضمن المجال الذي يتحرك فيه:

– المهاجرون

– المستثمرون

– السياح

– وأيضا الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

لا توجد دولة متوسطية كبرى بمنأى عن هذه الظاهرة. إسبانيا نفسها تُعتبر إحدى أهم منصات تهريب المخدرات في أوروبا. بلجيكا وهولندا أصبحتا خلال السنوات الأخيرة مركزا لشبكات “الموكرو مافيا”. ودبي تُتهم دوريا بأنها ملاذ مالي لعدد من المطلوبين عالميا. إذن، وجود بعض الفارين داخل بلد ما لا يعني تلقائيا تواطؤ الدولة، بل يعكس أحيانا تعقيد العولمة الجنائية الحديثة. هناك عدة عوامل تجعل بعض المطلوبين يعتبرون المغرب فضاء مناسبا للاختباء أو إعادة التموضع:

1- الروابط البشرية والثقافية

جزء مهم من الجريمة المنظمة المرتبطة بفرنسا له امتداد مغاربي أو متوسطي بحكم الهجرة التاريخية.

بعض الفارين يملكون:

– عائلات

– أصولا

– شبكات اجتماعية

– أو استثمارات سابقة بالمغرب.

وبالتالي، لا يأتون إلى “مكان غريب”، بل إلى فضاء يعرفونه ثقافيا ولغويا.

2- الاقتصاد السياحي والانفتاح

المغرب بلد يستقبل ملايين السياح سنويا، ويضم مدنا عالمية مثل:

– مراكش

– طنجة

– الدار البيضاء

– أكادير

في المجتمعات المفتوحة والسياحية، يصبح الاختفاء أسهل نسبيا وسط الكثافة البشرية والتنقل المستمر.

3- تطور البنية الاقتصادية

خلال العقدين الأخيرين، عرف المغرب طفرة عمرانية واستثمارية ضخمة:

– عقارات

– فنادق

– مشاريع سياحية

– اقتصاد نقدي واسع نسبيا

وهذه البيئة قد تُستغل أحيانا من طرف شبكات غسل الأموال أو التمويه المالي، كما يحدث في كثير من الاقتصادات الصاعدة. لكن هنا يجب الانتباه إلى نقطة أساسية: وجود محاولات اختراق إجرامي لا يعني غياب الدولة. هذه النقطة يغفلها كثير من الخطابات الأوروبية الاختزالية. فالمغرب خلال السنوات الأخيرة تحول إلى شريك أمني أساسي لأوروبا نفسها. الأجهزة الأمنية المغربية لعبت دورا محوريا في:

– تفكيك خلايا إرهابية،

– التعاون الاستخباراتي مع فرنسا وإسبانيا وبلجيكا،

– مكافحة شبكات التهريب والهجرة السرية،

– وتبادل المعلومات الأمنية.

بل إن عددا من العمليات الإرهابية التي كانت ستضرب أوروبا جرى إحباطها بفضل معلومات مغربية. المفارقة الساخرة هنا أن بعض التقارير الأوروبية تقدم المغرب أحيانًا كفضاء “للهروب”، بينما تعتمد أوروبا نفسها بشكل متزايد على الرباط في حماية أمنها الداخلي. ثمة مشكلة أعمق في الطريقة التي يقدَّم بها المغرب داخل بعض السرديات الفرنسية. في المخيال الإعلامي القديم، ما يزال شمال إفريقيا يقدَّم أحيانا باعتباره: فضاء فوضويا, أو هامشيا, أو أقل قدرة على الضبط المؤسساتي. وهذه النظرة، حتى حين تستند إلى وقائع جزئية، تبقى قاصرة عن فهم التحولات العميقة التي عرفتها المملكة. المغرب اليوم ليس مغرب التسعينيات:

– بنية أمنية أكثر تطورا

– رقمنة متزايدة

– مراقبة مالية أكبر،

– تعاون دولي واسع

– واستثمارات ضخمة في الأمن الحدودي والاستخبارات.

لكن الجريمة أيضا تغيّرت. لم تعد الجريمة المنظمة محلية وبسيطة، بل أصبحت: عابرة للقارات، رقمية، ومرتبطة بغسل الأموال والعملات المشفرة والشبكات الدولية. وهذا تحد عالمي، لا مغربي فقط. السؤال ليس: “هل يوجد فارون بالمغرب؟”غالبا نعم، كما يوجدون في إسبانيا والإمارات وتركيا وتايلاند وأميركا اللاتينية. السؤال الحقيقي هو: كيف تتعامل الدولة مع الظاهرة؟ وهنا تظهر أهمية:

– الاتفاقيات القضائية

– التعاون الأمني

– تحديث أنظمة التتبع المالي

– وتوسيع تبادل المعلومات

لا توجد قوة اقتصادية أو سياحية أو جيوسياسية صاعدة لا تصبح، بشكل أو بآخر، عرضة لمحاولات التسلل الإجرامي. لكن الفرق الحقيقي تصنعه قوة المؤسسات. والمغرب، رغم كل التحديات، أثبت خلال السنوات الأخيرة أنه ليس مجرد بلد يعبر المرحلة…بل دولة تبني تدريجيا موقعها كفاعل أمني واستراتيجي مركزي في المتوسط وإفريقيا. وربما لهذا بالذات، صار تحت المجهر أكثر من أي وقت مضى.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “المغرب “ملاذا للفارين” في المخيال الفرنسي

  1. فرنسا في حديثها عن المغرب، ” فرنسات”, واحدة توقع اتفاقيات استراتيجية، وأخرى أتت استقبلها واستثمرت وهي الآن في موسم الحصاد وثالثة تعبر عن صداقتها الدائمة لهذا البلد، ومنهم من له إقامة فيه…. وهناك بالطبع ، من فرنسا الصحافية، من يضع حنكه رهن الإشارة الإشارة، هؤلاء نقول لهم إن قطار المغرب أخذ طريقة بالسرعة التي خطط لها في العقدين الأخيرين، وبدأت صور الرهان تظهر، في صمت….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *