الهيئة العليا الملكية لمغاربة الخارج

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الجغرافيا الخفية للأمم، هناك رجال لا يسكنون الأوطان فحسب، بل تسكنهم الأوطان حتى يصبحوا خرائطَ حيّة لذاكرتها، وأشرعة تمخر بها المملكة عباب المستقبل. ومن بين هؤلاء الذين حملوا المغرب في حقائب الروح لا في جوازات السفر، يبرز اسم الدكتور مولاي حفيظ حاميدي العلوي، كأحد أبناء المهجر الذين لم يغادروا الوطن يوما، حتى وهم يعبرون قارات العلم، ويقيمون في مدائن الغرب، ويصوغون من المنافي جسورا من نور تعود إلى الرباط وفاس ومراكش والصحراء المغربية.

ليس الرجل مجرّد أكاديميّ أو خبير في التنمية الترابية والطاقة والتحولات الجيوسياسية، بل يبدو كأنّه واحد من أولئك البنّائين القدماء الذين كانوا يشيدون المدن بالحكمة قبل الحجارة. رجل خرج من مختبرات العلوم الزراعية والطاقات الخضراء، لكنه حمل معه دائمًا ذلك الحنين المغربيّ العتيق؛ حنين الأرض التي تعرف أسماء أبنائها ولو ابتعدوا، وتظلّ تفتح لهم أبواب الضوء كلما عادوا إليها بمشروع أو فكرة أو حلم.

وحين يذكر اليوم مشروع “الهيئة العليا الملكية لمغاربة الخارج”، لا يذكر بوصفه مقترحا إداريا فقط, بل باعتباره محاولة كبرى لإعادة ترتيب المعنى العميق للعلاقة بين المغرب وأبنائه المنتشرين في جهات العالم الأربع. كأنّ المملكة، وهي تدخل منعطفا حضاريا جديدا، قررت أن تجمع شتات نجومها في مجرّة وطنية واحدة، وأن تمنح لملايين المغاربة بالخارج صوتا لا يضيع بين صخب البيروقراطيات، ولا يذوب في رمزية المناسبات.

هنا تحديدا، يظهر مولاي حفيظ حاميدي العلوي كصوت خرج من قلب المهجر، لكنه لم يتحدث أبدا بلسان المنفى، بل بلسان الانتماء الكبير. إنه رجل يشبه الأشجار التي كلما امتدت جذورها في أرض بعيدة، ازداد تعلّقها بالماء الأول. من باريس إلى الرباط، ومن مختبرات الهندسة الترابية إلى دوائر التفكير الاستراتيجي، ظلّ يحمل سؤالا واحدا: كيف يمكن لمغاربة العالم أن يتحولوا من جالية مشتتة إلى قوة تاريخية ناعمة، تساهم في صناعة مستقبل المملكة؟

ولعلّ الندوة الدولية التي احتضنتها الرباط يوم السبت 9 ماي 2026، ضمن المنتدى الدولي للاستثمار والشراكات لمغاربة العالم، ليست مجرد لقاء فكريّ أو تجمع بروتوكولي، بل أشبه بمجلس استراتيجيّ كبير، تستدعى فيه ذاكرة الهجرة المغربية بكل ما فيها من تعب وأحلام وانتصارات صامتة. هناك، عند الساعة الثانية والنصف بعد الزوال، تحولت إحدى القاعات بالرباط إلى منصة تعبر فوقها أصوات المغاربة القادمين من ضفاف المتوسط، ومن مدن أوروبا الباردة، ومن الخليج، ومن أمريكا، ومن إفريقيا، حاملين معهم خبرات الاقتصاد والتكنولوجيا والبحث العلمي والدبلوماسية والثقافة. وكأن المغرب يستدعي أبناءه المنتشرين في العالم ليعيد كتابة صورته الجديدة بأيديهم.

إن الهيئة العليا الملكية لمغاربة الخارج لا تقدَّم هنا كجهاز إداري إضافي، بل كفكرة سيادية كبرى. فالعالم يتغير بعنف.
الخرائط تعاد صياغتها. الاقتصادات تتحول إلى حروب ناعمة. والدول لم تعد تُقاس فقط بما تملكه داخل حدودها، بل بما تملكه من امتدادات بشرية وثقافية واستراتيجية خارج حدودها. من هنا تبدو الجالية المغربية بالخارج ثروة تتجاوز التحويلات المالية إلى ما هو أعمق: ثروة في المعرفة، في النفوذ، في العلاقات، في التكنولوجيا، وفي القدرة على الدفاع عن صورة المغرب ومصالحه العليا داخل مراكز القرار العالمية. ولذلك فإن الهيئة المقترحة تبدو كأنها محاولة لبناء “عقل استراتيجي عالمي” للمملكة المغربية.

عقل يربط الرباط بالعواصم الكبرى، والصحراء المغربية بمراكز التأثير الدولي، والكفاءات المغربية بالخارج بمشاريع التنمية والسيادة الوطنية. إن المشروع، كما يطرحه مولاي حفيظ حاميدي العلوي، لا يقوم على منطق التمثيل الشكلي، بل على هندسة جديدة للثقة. ثلث منتخب يمنح الشرعية، وثلث من الكفاءات يمنح الرؤية، وثلث مؤسساتي يمنح الانسجام. وكأن الهيئة تبنى على صورة المغرب نفسه: توازن بين الأصالة والدولة الحديثة، بين الشرعية الشعبية والخبرة التقنية، بين الذاكرة الوطنية وأفق المستقبل.

في هذا التصور، لا يصبح المغربي المقيم بالخارج مجرد رقم في سجلات القنصليات، بل فاعلًا تاريخيًا في مشروع الأمة. الطالب المغربي في مونتريال، والمهندس في برلين، والباحث في طوكيو، ورائد الأعمال في دبي، والفنان في باريس، كلّهم يتحولون إلى خلايا في جسد وطني واحد، ينبض خارج الجغرافيا لكنه لا ينفصل عنها. لهذا يحمل المشروع بعدا يكاد يكون حضاريا. إنه لا يريد فقط تنظيم شؤون الجالية، بل إعادة تعريف معنى الانتماء المغربي في القرن الحادي والعشرين. ولعلّ أكثر ما يمنح هذا المشروع وهجه الخاص هو تلك اللغة الجديدة التي يقترحها. لغة لا تقوم على الشفقة الإدارية، بل على الاعتراف بالكفاءة. لا على الحنين العاطفي وحده، بل على الشراكة الاستراتيجية. لا على تدبير الملفات، بل على صناعة الأثر.

وحين يتحدث مولاي حفيظ حاميدي العلوي عن الحكامة، فإنه يتحدث بعقل مهندس يعرف أن المؤسسات لا تبنى بالنوايا الحسنة فقط، بل بالمؤشرات والشفافية والقياس والمحاسبة. منصات رقمية، خلايا قانونية، برامج مواكبة للاستثمار، قواعد بيانات للكفاءات، تقارير سنوية، مؤشرات أداء، وشبكات دولية للخبرة المغربية… كل ذلك يجعل الهيئة تبدو أقرب إلى “منصة سيادية ذكية” منها إلى إدارة تقليدية.

لكن خلف هذه اللغة التقنية، يظلّ هناك شيء أكثر شاعرية وعمقا: رغبة هائلة في أن يشعر المغربي بالخارج أن وطنه لا يتذكره فقط في الصيف، بل يبني معه المستقبل كتفًا بكتف. ذلك هو جوهر المشروع الحقيقي. أن يتحول الحنين إلى مؤسسة، والوفاء إلى سياسة عمومية، والانتماء إلى قوة اقتراحية عالمية. أما مولاي حفيظ حاميدي العلوي، فيبدو داخل هذا المشهد كواحد من أولئك الرجال الذين عبروا العالم كي يعودوا إلى المغرب بصورة أكبر من ذواتهم.

رجل يحمل في سيرته شيئا من خرائط المتوسط، ومن حكمة المختبرات، ومن صلابة الجغرافيا السياسية، ومن عناد أبناء المهجر الذين تعلموا أن الأوطان العظيمة لا تورَّث فقط، بل تبنى كل يوم. ولذلك فإن ندوة الرباط المقبلة قد لا تكون مجرد موعد… قد تكون بداية لغة جديدة بين المغرب وأبنائه في العالم. لغة تشبه المملكة وهي تعيد اكتشاف قوتها الهادئة،
وتجمع أبناءها كما تجمع السماء نجومها المتناثرة، لا لتضيء الليل فقط…بل لتصنع فجرا كاملا.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الهيئة العليا الملكية لمغاربة الخارج

  1. Cette instance n’est pas une simple administration, mais une “intelligence stratégique globale” : elle transformerait la diaspora (millions de Marocains à l’étranger) en force historique – savoir, influence, investissements – via une gouvernance équilibrée (élus, experts, institutions), plateformes numériques et indicateurs de performance. L’idée redefine l’appartenance au XXIe siècle, faisant des expatriés des acteurs clés du futur marocain

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *