بقلم زكية لعروسي, باريس
كانت الحروب تعير سابقا بعدد الدبابات، فصار ميزانها اليوم يوزن بحفنة تراب جائع… وبحبّة قمح ترتجف في سنابلها. لم يعد مضيق هرمز مجرد شريان نفطيّ يخنقه التوتر، بل صار عقدة في حنجرة الأرض نفسها. هناك، حيث تتكدّس السفن كجثث معلّقة بين قرارين، تتعطّل دورة خفية: دورة الحياة. فالأمر لم يعد نفطا يحرق، بل سمادا ينبت، وبدونه لا تقوم للزرع قائمة، ولا للخبز معنى.
في الجغرافيا الزراعية، كل شيء مرتبط بما لا يرى. اليوريا، تلك البلورة البيضاء التي تبدو كملحٍ لا طعم، هي في الحقيقة ترجمة كيميائية لفكرة قديمة: “الأرض تأكل كي تُطعم”. لكنها اليوم صارت رهينة صراعات لا علاقة لها بالتراب، بل بموازين القوة. فحين يغلق مضيق، فإنه أيضا توقف لشرايين النيتروجين الذي يغذّي الحقول من آسيا إلى أوروبا. إنها مفارقة قاسية: العالم يفيض بالحبوب المخزّنة، لكن الأرض التي ستنتج تُحرَم من غذائها اليوم. كأننا أمام مأساة: الجريمة ليست في النقص، بل في سوء التوزيع، والعقاب يقع على الفلاح، ذلك الكائن الذي يعيش بين السماء والأرض، ولا يملك السيطرة على أيّ منهما.

في التراث العربي، لم تكن المجاعة مجرد حدث اقتصادي، بل اختبار أخلاقي. يقول المثل: “إذا جاع البطن كفر العقل”، وفي رواية أخرى: “الجوع كافر”. لم يكن القصد تكفير الإنسان، بل وصف لحظة الانهيار، حين يتحول البقاء إلى عقيدة. وكان العرب في حروبهم يعرفون أن الزرع هو أول الضحايا. لذلك قيل: “من قطع الزرع فقد قطع العمر”. لأن الزراعة ليست إنتاجا فقط، بل استمرارية. إنها الزمن نفسه وهو يزرع في الأرض. اليوم، يعود السؤال القديم بثوب جديد: ماذا نفعل حين تحاصر المعدة؟
هناك من يقترح العودة إلى بدائية ذكية: السماد العضوي، إعادة دمج الزراعة بالتربية، تدوير المخلفات… حتى استخدام البول البشري كسماد، فكرة كانت معروفة في حضارات قديمة، تبعث اليوم من رماد الحاجة. كأن الإنسان يُجبر على تذكّر أنه جزء من دورة كونية، لا مستهلك منفصل عنها. لكن هذه الحلول، رغم وجاهتها، تحتاج زمنا. والزمن في الحروب سلعة نادرة. جيو-زراعيا، نحن أمام عالم هشّ يعتمد على سلاسل إمداد طويلة كخيوط العنكبوت. يكفي أن تقطع عقدة واحدة، حتى يرتجف النسيج كله. أوروبا التي ظنت أنها تجاوزت صدمات الماضي، تجد نفسها مرة أخرى أمام الحقيقة العارية: لا سيادة بدون غذاء، ولا غذاء بدون استقلال في المدخرات.
. في الحكايات الشعبية، كان الفلاح إذا خاف من القحط، ينظر إلى السماء ويقول: “الرزق على الله، لكن الحرث علينا”. أما اليوم، فحتى “الحرث” صار رهين بورصات ومضائق وبوارج. ومع ذلك، يبقى الدرس القديم صالحا: النجاة لا تأتي من الوفرة وحدها، بل من الحكمة في التوزيع، ومن القدرة على التكيّف. ربما نحن بحاجة إلى ثورة هادئة، لا تعلنها المدافع، بل تنبتها الحقول:
– تقليل الارتهان للأسواق البعيد
– إعادة الاعتبار للأنظمة الزراعية المحلي
– تحويل النفايات إلى موارد
– بناء سيادة غذائية لا تُكسر بإغلاق مضيق
لأن الحرب حين تصل إلى الزراعة، لا تعود حربا بين دول، بل بين الإنسان والجوع. و كما يقول مثل عربي قديم:
“الخبز أول السياسة”. وحين يهتز الخبز… يهتز العالم كله.

التربية على اقتصاد الندرة. وتاريخ المغرب المناخي كما تاريخ الأوبءة والجيح، علم الناس على تدبير الحياة على أساس أن الوقت دوارة، ومنها الحكمة: ظرف المصروف وفكر في دوائر الزمان. من هنا كان الكل في المغرب يكون لنفسه ” مخزنا” لتدبير الندرة. وكذلك الدولةـ المخزن لتدبير السنوات العجاف.
أما لحظة الحرب يكون القدر و مصاءر الشعوب في يد كماشة القوة وتكنولوجيا الحرب و الدمار. على الرغم من البعد الجغرافي، نيران الحرب وإغلاق فم هرمز، احرقت الجيوب. ادالحرب جغرافية ، أما التداعيات فهي كونية…..