بقلم زكية لعروسي, باريس
في خبر مرّ على كثيرين كأنه مجرد سطر إضافي في أرشيف الحرب الأوكرانية، وردت معطيات تتحدث عن استعمال الجزائر كمحطة لوجستية ضمن شبكات روسية للالتفاف على العقوبات وتحريك ما يُعرف بـ”أسطول الظل” وشحنات العتاد والتمويل الرمادي. قد يختلف الناس حول دقة التفاصيل أو خلفياتها السياسية، لكن الأهم من الخبر نفسه هو الرائحة التي يحملها. نعم، رائحة التاريخ حين يبدأ في الإنذار مبكرا. فالدول، مثل البشر، تُعرف أحيانا من التحالفات التي تختارها حين يشتد الظلام. وهناك تحالفات لا تدخل بلدا إلا وتترك على جدرانه أثر الدخان. يكفي أن تنظر إلى خرائط الشرق المنهك لتفهم: حيثما تمددت عقيدة “الحصار والمواجهة الدائمة”، تمدد معها التعب، وضاقت الحياة، وارتفعت حرارة الخراب.
في الأمثال المغربية يقولون: “اللي لعب مع النار، يدخّن ثيابو.”, وهذا ليس مثلا شعبيا فقط، بل فلسفة دولة نجت طويلا لأنها فهمت أن الجغرافيا لا ترحم المتهورين. روسيا اليوم، المحاصرة بالعقوبات والحرب الطويلة، تبحث عن منافذ خلفية، عن ممرات رمادية، وعن فضاءات أقل حساسية لتحريك تجارتها وأدوات نفوذها. وإيران، منذ عقود، بنت نفوذها على فكرة واحدة: تحويل مناطق الهشاشة إلى مناطق اشتباك دائم، حتى يصبح التوتر نفسه مصدر قوة. لكن التاريخ يخبرنا بحقيقة قاسية:
كل دولة تتحول إلى منصة لصراعات الآخرين، تدفع الثمن من روحها قبل اقتصادها.
في البداية يبدو الأمر مجرد اصطفاف سياسي. ثم يتحول إلى لغة كاملة: لغة أمنية، لغة شك، لغة تعبئة دائمة، لغة ترى في العالم مؤامرة وفي الاستقرار نوعا من الضعف. وهكذا تصاب الدولة بما يمكن تسميته “إدمان الأزمة”. وما أخطر أن تدمن الأنظمة الأزمة. لأنها حينها تحتاج دائما إلى عدو، وإلى توتر، وإلى صخب خارجي يغطي هشاشتها الداخلية. هنا تبدأ المأساة التي تشبه روايات دوستويفسكي: أنظمة ترفع شعارات الكبرياء بينما ينهشها القلق من الداخل, وجماهير تُطلب منها التضحية باسم المعركة الكبرى، بينما تتآكل تفاصيل الحياة الصغيرة: المدرسة، المستشفى، الكرامة، الأمل. وحين يصبح الوطن ثكنة نفسية قبل أن يكون دولة، يبدأ الخراب الحقيقي.

المغرب، بحكم تاريخه الطويل، اختار طريقا مختلفا. ليس طريق الملائكة، بل طريق الدولة التي تعلمت من قرون الزلازل السياسية أن النجاة ليست في الصراخ، بل في التوازن. ولهذا ظل المغرب يبني بصمت: موانئ، طرقا، شراكات إفريقية، استثمارات، ورؤية تمتد نحو المستقبل بدل الارتهان لعقليات الحرب الباردة. في الثقافة المغربية حكمة عميقة تقول: “الدار الكبيرة كتتبنى بالعقل ماشي بالغضب.” وهذه هي خلاصة الفرق بين من يبني وطنا، ومن يبني معركة.
المعضلة اليوم ليست في الجزائر كشعب – فالشعوب المغاربية أكبر من خلافات الأنظمة – بل في الاتجاه الذي قد تدفع إليه المنطقة كلها إذا استمر منطق المحاور المغلقة والسياسات المأزومة. لأن النار حين تشتعل قرب البيت، لا أحد يضمن أين يتوقف الرماد. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة هو أن تفقد قدرتها على الحلم الطبيعي بالحياة، وتتحول إلى كيان يعيش فقط على إيقاع “الردع” و”المواجهة” و”التصعيد”. فالأمم التي تنام طويلا داخل الخندق، تستيقظ متأخرة على العالم. ولهذا يبدو السؤال اليوم أكبر من خبر عابر أو تقرير استخباراتي: أي مستقبل يُصنع للمغرب الكبير؟ مستقبل الموانئ والجامعات والطاقة والابتكار؟ أم مستقبل الأساطيل الرمادية، والتحالفات المتعبة، والجغرافيا المستعملة كأداة في حروب الآخرين؟
التاريخ لا يرحم الدول التي لا تقرأ الإشارات مبكرا. المغرب، وهو يراقب هذا المشهد المضطرب، يدرك أكثر من أي وقت مضى أن الراسخون في التاريخ هم حماة الوطن من أن يتحول إلى نسخة أخرى من الخراب المنتشر حوله. لأن الأوطان العاقلة لا تقاس بارتفاع صوتها…بل بقدرتها على البقاء واقفة حين يسقط الجميع.
📲 Partager sur WhatsApp