الحسن الثاني وفلسفة الجار

بقلم زكية لعروسي, باريس

في وقت كانت الخرائط تُرسم بالحبر والريبة معا، وكانت الأمم الخارجة من رماد الاستعمار تتلمّس أسماءها بأصابع مرتجفة، وقف شابّ مغربيّ إسمه الحسن بن محمد، لم يكتمل بعد في هيئة الملوك لكنه كان مكتملا في هيئة البصيرة. كانت سنة 1951، وكانت الجرائد تلتقط ما لا تلتقطه البنادق: لحظة أخوّة عربية لم تفسدها بعد مصانع الشكّ، ولم تعبث بها مخالب المؤامرات الصغيرة. في تلك القصاصة الصفراء، التي تبدو اليوم كأنها ورقة سقطت من جيب الزمن، نقرأ عن وليّ عهد مغربيّ يستقبل أبطال الجزائر في سباق الدراجات، لا كغرباء يمرّون من حدود مصطنعة، بل كإخوة يعبرون بيتا واحدا متعدد الأبواب.

كان الحسن الثاني، قبل أن يصير ملكا، يفهم شيئا لا يفهمه كثير من الساسة: أن الجغرافيا ليست ترابا فقط، بل ذاكرة أيضا. وأن الجار ليس شخصا يسكن قربك، بل قدر يسكنك. لذلك لم يتعامل مع الجزائر بمنطق الحائط، بل بمنطق السقف؛ السقف الذي إن تصدّع فوق بيت الجار سقط الغبار على الجميع. في الصورة القديمة شيء من النبوءة. ترى الأمير الشابّ وهو يكرّم الجزائريين، كأنّه كان يريد أن يقول للمستقبل: “الأخوّة ليست شعارا يرفع في المهرجانات،إنّها امتحان أخلاقيّ حين تختلف الطرق وتتباعد المصالح.” ولهذا ظلّ المغرب، رغم الجراح والتوتّرات، يتكلّم بلسان الدولة العارفة بأن النار إذا اشتعلت في بيت الجار فلن تسأل الريح عن الجنسيات.

مصير العلاقات بين الشعوب تشبه العشق الذي الذي يتحوّل دخانا ثم رمادا حين يتسلّل الغدر إلى موائد الإخوة. ففي البداية يكون التعاون نهرا شفيفا، ثم تدخل المصالح الضيّقة كسمّ بطيء، فتتغيّر السلوكات، وتتحوّل الأيدي التي كانت تبني الجسور إلى أيد تحفر الخنادق. وكما قالت أمّ خيرة، المرأة التي كانت تختصر الفلسفة في نصف جملة: “الجار قبل الدار، لكن إذا دخّل الشيطان بين القلوب، حتى الباب يولّي حائط.” وكانت تردّد دائما: “اللّي خبّى الشرّ تحت جناحو، يفيق يلقاه فات كتافو .” وهي حكمة تصلح لتاريخ الدول كما تصلح لأحاديث الأزقة.

لقد أدرك الحسن الثاني، بذكائه السياسيّ النادر، أن الملوك الحقيقيين لا يقاسون بعدد الجنود، بل بقدرتهم على منع الكراهية من التحوّل إلى قدر. كان يعرف أن الدولة الحكيمة ليست تلك التي تنتصر دائما، بل تلك التي لا تفقد اتزانها حين تستفزّ. ولذلك بدا، في كثير من محطّاته، كصوفيّ يرتدي تاجا؛ رجل يفهم أن السياسة ليست مجرد لعبة قوى، بل هندسة دقيقة للكبرياء الجماعيّ. في التراث العربيّ، كان الجار منزلة تكاد تلامس المقدّس. قال النبيّ (ص): “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه.” ولم يكن ذلك مجاملة أخلاقية، بل فهما عميقا لطبيعة العمران البشريّ. فالجار مرآتك التي تمشي خارج بيتك. إن أكرمتها رأيت وجهك مضيئا، وإن كسرتها جرحتك شظاياها.

لكنّ المأساة تبدأ حين تتحوّل السياسة إلى سوق للريبة. هناك، يصير التاريخ نفسه متَّهما، وتصبح الأخوّة القديمة مجرّد أرشيف باهت. وهكذا تتبدّل السلوكات: يعلو صوت المخابئ على صوت الحكمة، ويصبح سوء الظنّ عقيدة غير مكتوبة. ومع ذلك، ظلّ المغرب، في كثير من مفاصل التاريخ، يتصرّف كمن يحرس بابا قديما في مدينة عتيقة؛ بابا يعرف أن الداخلين والخارجين أبناء ريح واحدة مهما تغيّرت الرايات.

إن الحكمة السياسية عند الحسن الثاني لم تكن برودة دبلوماسية، بل كانت معرفة بطبيعة الإنسان المغاربيّ: سريع العاطفة، سريع الغضب، لكنه أيضا سريع الحنين. لذلك كان يراهن على الزمن أكثر من رهانه على الانفعال. كان يدرك أن الشعوب، مهما افترقت بها الأنظمة، تعود في النهاية إلى خبزها المشترك ولهجتها المشتركة ودموعها المشتركة.

قارئي العزيز، إن الأمم لا تسقط فقط بالحروب، بل تسقط حين تفقد القدرة على التذكّر النبيل. وهذه القصاصة القديمة ليست خبرا رياضيا فحسب؛ إنها شاهد صغير على زمن كان فيه الأمير المغربيّ يرى في الجزائريّ أخا لا خصما، وفي التعاون شرفا لا مناورة. وحين نقرأها اليوم، نشعر أن الورق العتيق أكثر وفاء من كثير من الخطابات الحديثة. لقد علّمتنا الأمّ خيرة، وهي امرأة لم تدخل جامعة قط، أن “الخبز اللي يتقسم بين الجيران، ما تاكلهش الفتنة.” وربما كانت تلك الجملة البسيطة أعمق من عشرات المؤتمرات السياسية. لأن السياسة، مهما تعقّدت، تعود في أصلها إلى سؤال أخلاقيّ بسيط: هل نريد أن نحيا معا أم ضدّ بعضنا؟

وهكذا يبقى الحسن الثاني، في تلك اللحظة من سنة 1951، أشبه بفارس يلوّح من شرفة التاريخ، بينما كانت المنطقة كلّها تمشي فوق خيط رفيع بين الأخوّة والقطيعة. وكان يعرف، بحسّ الملوك الكبار، أن الجار قد يغضب، وقد يخطئ، وقد يدير ظهره، لكن الحكمة ليست أن تهدم الجدار فوق الجميع، بل أن تترك نافذة مفتوحة للعودة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *