العقل الحوثي وتحولات الجغرافيا المتمردة

بقلم زكية لعروسي, باريس

اليمن واحد من تلك الأوطان التي لا تقرأ كدولة، بل كنصّ حضاري طويل كتب بالحجر والبخور والبحر والنجوم. هنا، حيث مرت قوافل سبأ وحِمْير، وحيث كانت الجبال مدارس للحرية قبل أن تصبح متاريس للحروب، ولدت واحدة من أقدم الهويات العربية وأكثرها تعقيداً. غير أن المأساة الكبرى لليمن المعاصر تكمن في أنه تحول من ملتقى الحضارات إلى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين، ومن أرض تصنع التاريخ إلى أرض يصنع عليها التاريخ. وفي قلب هذه المأساة تقف الظاهرة الحوثية. لكن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثير من المحلّلين هو اختزال الحوثيين في مجرد جماعة مسلحة أو ميليشيا محلية. فالحوثية ليست مجرد تنظيم؛ إنها منظومة فكرية وسياسية وعسكرية تشكلت عند نقطة التقاء المظلومية التاريخية بالطموح السياسي، والتأويل الديني بالحسابات الجيوسياسية. إنها، بتعبير الفيلسوف الألماني كارل شميت، محاولة لتحويل “الاستثناء” إلى قاعدة، وتحويل القوة إلى مصدر الشرعية.

حين ننظر إلى العقل الحوثي من الداخل، نكتشف أنه لا يرى نفسه كفاعل يمني محض، بل كجزء من سردية كبرى تتجاوز حدود اليمن نفسها. في هذا التصور، لا تصبح صنعاء عاصمة دولة فقط، بل حلقة في مشروع إقليمي أوسع. ولا يعود البحر الأحمر مجرد ممر للتجارة العالمية، بل منصة لإعادة تعريف موازين القوة. ولهذا السبب لا يمكن فهم قرارات الجماعة العسكرية بمعزل عن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. فالحوثيون يدركون جيدا أنّهم لا يملكون اقتصادا قادرا على منافسة الدول، ولا جيشا تقليديا يستطيع مواجهة القوى الكبرى، لكنهم يملكون ما هو أخطر في عالم اليوم: القدرة على تعطيل النّظام أكثر من القدرة على بنائه. وهنا تكمن فلسفة الحروب غير المتماثلة. إن الفاعل الضعيف لا يسعى إلى الانتصار العسكري الكامل، بل إلى رفع كلفة الانتصار على خصمه إلى مستويات غير محتملة.

في العقود الماضية، كان مضيق هرمز يمثل نقطة الاختناق الاستراتيجية الكبرى للطاقة العالمية. أمّا اليوم، فقد أضاف الحوثيون باب المندب إلى معادلة الضغط العالمية. وكأن الشرق الأوسط أصبح يملك رئتين جيوسياسيتين: هرمز في الخليج. وباب المندب عند بوابة البحر الأحمر. ومن يضغط على الرئتين معا لا يخنق دولة، بل يربك الاقتصاد العالمي بأسره. ولهذا فإن ما يبدو للبعض مجرد هجمات متفرقة على السفن، هو في الحقيقة رسالة استراتيجية أعقد بكثير. الرسالة تقول: “إذا كانت القوى الكبرى قادرة على فرض العقوبات والحصار من السماء، فإن الجماعات المسلحة قادرة على فرض الاضطراب من البحر.” لكن المأساة اليمنية تكمن في أن اليمن نفسه يدفع الثمن الأكبر. فبينما تنشغل القوى الدولية بحسابات النفط والممرات البحرية والتحالفات العسكرية، يبقى المواطن اليمني عالقا بين الفقر والحرب والانهيار الاقتصادي. إن أكثر ما يثير الحزن في المشهد اليمني هو أن أرضا أنجبت واحدة من أعظم الحضارات العربية أصبحت تختزل في نشرات الأخبار إلى خرائط للغارات والصواريخ. وكأنّ سبأ لم تكن هنا. وكأن مأرب لم تكن ذات يوم معجزة هندسية سبقت عصرها.

أما على المستوى السياسي، فإن الحوثيين يواجهون معضلة عميقة. فالحركات المسلحة تستطيع السيطرة على الأرض لفترات طويلة، لكنها تواجه دائما سؤال الشرعية. كيف تنتقل من منطق الثورة إلى منطق الدولة؟ كيف تتحول من جماعة تعبئة إلى مؤسسة حكم؟ كيف تقنع الأجيال الجديدة بأن المستقبل يبنى بالصواريخ أكثر مما يبنى بالجامعات والاقتصاد؟ هذه أسئلة واجهتها كل الحركات الإيديولوجية تقريبا عبر التاريخ. وكثير منها نجح في الوصول إلى السلطة لكنه فشل في بناء الدولة. وفي المشهد الإقليمي الأوسع، يبدو الحوثيون اليوم جزءا من شبكة ردع غير تقليدية تمتد عبر عدة ساحات. غير أن هذه المكانة تمنحهم نفوذا وتفرض عليهم قيودا في الوقت نفسه. فكلما ازداد وزنهم في الحسابات الإقليمية، تضاءلت قدرتهم على اتخاذ قرارات مستقلة بالكامل. وهنا يظهر التناقض الكلاسيكي لكلّ الحركات المرتبطة بصراعات إقليمية كبرى: كلّما كبرت أهميتها الاستراتيجية، أصبحت أكثر ارتباطا بحسابات تتجاوز حدودها الوطنية.

العالم من جهته ينظر إلى البحر الأحمر اليوم باعتباره أكثر من مجرد ممر ملاحي. إنه اختبار لمفهوم حرية التجارة العالمية نفسه. فإذا أصبحت الممرات البحرية رهينة للصراعات الإقليمية، فإن آثار ذلك لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل تمتد إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا. ولهذا فإن أي تصعيد طويل الأمد في باب المندب لا يمثل أزمة يمنية فقط، بل أزمة عالمية محتملة. تبدو الظاهرة الحوثية أشبه بمرآة تعكس أزمات القرن الحادي والعشرين كلها دفعة واحدة: أزمة الدولة الوطنية. أزمة الهوية. أزمة التنمية. وأزمة التنافس بين القوى الكبرى. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن اليمن أكبر من الحوثيين، وأكبر من الحرب، وأكبر من كل المشاريع العابرة. فاليمن الذي صمد آلاف السنين أمام الغزاة والمجاعات والانقسامات لا يمكن اختزاله في مرحلة تاريخية مهما بلغت قسوتها. وسيأتي يوم يعود فيه البحر الأحمر ممرا للتجارة لا للمواجهة، وتعود فيه جبال اليمن شاهدة على الشعر والعلم والزراعة لا على أصوات المدافع. لأن الحضارات قد تتعثر، لكنها نادرا ما تموت.


📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *